رئيس مجلس الإدارة والمشرف العام
د/ محمد الحسيني

الدكتور محمد الحسيني يكتب: إيران على طاولة التفكيك الكُبرى .. وبداية هيمنة الدولة العبرية

12 يناير 2026 12:22 م 0 تعليق
د. محمد الحسيني
د. محمد الحسيني

ما يحدث بإيران اليوم لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للمشروع الغربي الممتد منذ عقود للهيمنة على الوطن العربي والإسلامي.

مشروع لم يتوقف يومًا عند حدود دولة بعينها، بل يقوم على مبدأ التفكيك المتدرج، وإسقاط الدول المركزية، وتحويل المنطقة إلى كيانات ضعيفة متناحرة، يسهل التحكم بها سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

إن ما نراه اليوم ليس وليد اللحظة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة بدأت بإعادة رسم خرائط المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وما زالت تتجدد بأدوات وأساليب مختلفة.

إن المستفيد الأكبر من استهداف إيران هو الكيان الإسرائيلي، الذي يشكّل رأس الحربة في هذا المشروع الغربي.

إذ لا يمكن لإسرائيل أن تفرض نفسها قوة مهيمنة إقليميًا بوجود دول كبرى تمتلك قرارها السياسي وقدرتها العسكرية، مهما كانت الخلافات معها.

ولهذا كان إسقاط العراق ضرورة، وتدمير سوريا هدفًا، وإغراق ليبيا واليمن في الفوضى، واستهداف مصر خيارًا استراتيجيًا.

واليوم يأتي الدور على إيران بوصفها آخر دولة خارج المنظومة الغربية، تقف – ولو نسبيًا – في وجه التمدد الإسرائيلي الكامل.

إن الوهم الذي يعيشه بعض العرب، باعتقادهم أن سقوط إيران سيجلب لهم الأمن أو يضعف خصومهم، هو ذات الوهم الذي سبق سقوط بغداد.

يومها صفق البعض، واعتقدوا أن زوال “الخطر العراقي” انتصار، فكانت النتيجة احتلالًا، وطائفية، وتمزيقًا، وفتح أبواب المنطقة أمام النفوذ الأمريكي والإسرائيلي بلا كلفة تذكر.

السيناريو ذاته يعاد اليوم بحذافيره، مع تغيير الأسماء والذرائع، وبتصفيق حاد من بعض الأنظمة العربية في الغرف المغلقة.

ويأتي الملف النووي الإيراني كأداة ضغط سياسية، لا تختلف كثيرًا عن أسلحة الدمار الشامل العراقية.

فالقضية لم تكن يومًا نوويًا بقدر ما كانت قرارًا سياديًا خارج السيطرة الغربية، المطلوب دائمًا هو دولة منزوعة الإرادة، لا السلاح فقط.

وحين يتحقق ذلك، لا يعد يهم وجود نووي أو عدمه، لأن الهدف الأكبر يكون قد أنجز، واستفرد الكيان وفرد قلوعه على المنطقة.

أما البحث الإسرائيلي عن بدائل لشبكات الإنترنت داخل إيران لمساعدة الإيرانيين لهدم وطنهم في الأحداث الجارية الآن.

فلا يمكن قراءته إلا في إطار الحرب الناعمة، التي تستهدف وعي الشعوب قبل إسقاط الدول، فليحذر الإيرانيون.

فالغرب لم يعد يعتمد فقط على الجيوش، بل على تفكيك المجتمعات من الداخل، وضرب الثقة بين الشعوب وأنظمتها.

بالإضافة إلى خلق حالة فوضى تستخدم لاحقًا مبررًا للتدخل أو العقوبات أو الحصار، وفي النهاية شرب كأس على أنقاض دولة أخرى.

إن سقوط إيران نتيجة أحداث اليوم – إن حدث – لن يكون نهاية الصراع، بل بدايته على نطاق أوسع.

فبعدها ستترك المنطقة العربية مكشوفة بالكامل أمام مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، حيث تلغى فكرة الأمة، وتستبدل بهويات ضيقة.

كذلك، ستدار الثروات عن بعد من الخارج، وتتحول إسرائيل إلى القوة المركزية الوحيدة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

أفيقوا يا عرب من ثباتكم العميق، المشروع لا يستهدف نظامًا هنا أو جماعة هناك، بل يستهدف فكرة الاستقلال ذاتها.

بالأمس كان العراق وسوريا وليبيا واليمن، واستهداف مصر ولا يزال، واليوم إيران، وغدًا لن يبقى أحد خارج دائرة الخطر.

وحينها، لن ينفع الندم، ولن يشفع الصمت، وسيكتب تاريخ جديد للمنطقة بمداد المصالح الغربية وعلى أنقاض أوطاننا.

Share this content:

إرسال التعليق

مقالات أخري