
تحقيق: أحمد جمال
في الوقت الذي تخوض فيه الدولة المصرية معركة البناء والتعمير في كل شبر من أرض المحروسة، ثمة مافيا الأراضي “دولة أخرى” تعمل في الظلام.
معولها الهدم وسلاحها التزوير، وهدفها الأوحد: نهب أراضي الدولة والمواطنين.
هذا التحقيق ليس مجرد رصد لظاهرة عشوائية، بل هو غوص في عمق “مافيا الأراضي”، تلك الإمبراطورية غير المرئية التي نجحت – بالتواطؤ والفساد- في الاستيلاء على ملايين الأفدنة، مهددة بذلك الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، ومحطمة أحلام آلاف الأسر.
لغة الأرقام لا تكذب: خارطة الكارثة
بينما توجد إحصائيات مفزعة تضعنا أمام كارثة وطنية مكتملة الأركان.
رصدت الأجهزة الرقابية ما يلي:
1.16 مليون حالة تعدٍ: إجمالي الهجمات على أراضي الدولة والمواطنين.
53,622 فداناً: مساحة الأراضي المنهوبة خلال تلك الفترة.
150 مليار جنيه: تقديرات أولية لقيمة أراضٍ تم فقدانها حتى عام 2016 فقط.
299 ألف فدان زراعي: تم تجريفها أو البناء عليها منذ عام 1983، في ضربة قاصمة لسلة غذاء المصريين.
ورغم أن الدولة استردت “هيبة القانون” بإزالة 700 ألف حالة تعدٍ، إلا أن “الغول” لا يزال ينمو؛ إذ سجلت في عام 2024 وحده أكثر من 51 ألف حالة تعدٍ جديدة.
“مثلث الشيطان”: كيف تتم عملية السرقة؟
كشف تتبعنا لخيوط هذه الجرائم عن وجود “منظومة إجرامية” تعمل باحترافية تضاهي كبرى الشركات، معتمدة على ثلاثة أضلع رئيسية:
1. مصانع التزوير: لم يعد التزوير يتم بأساليب بدائية، مهمتها تقليد أختام بتقنية الليزر، واصطناع توكيلات رسمية منسوبة لمحاكم نائية لتضليل الجهات الرقابية في القاهرة.
2. مصيدة “المشتري حسن النية”: تبدأ اللعبة بتسجيل الأرض بأسماء وهمية، ثم “غسل” الملكية عبر بيعها عدة مرات بين أفراد العصابة، لتعرض أخيراً على المواطنين عبر إعلانات براقة على “فيسبوك”.
يشتري الضحية الأرض بعقد يبدو سليماً، ليكتشف لاحقاً أنه اشترى “السراب”.
3. جيش “البلطجة”: في الظهير الصحراوي، لا صوت يعلو فوق صوت السلاح، تفرض هذه العصابات سيطرتها الميدانية عبر خفراء وحراس مدججين بالسلاح.
يمنعون الملاك الأصليين من الاقتراب، ويفرضون “إتاوات” تحت مسمى الحراسة.
من الجاني؟.. قائمة الاتهام السوداء
بينما اخترق التحقيق جدار الصمت ليحدد ملامح المتورطين في هذه الجرائم، والذين يشكلون “مافيا الياقات البيضاء”:
محامون “تحت الطلب”: تخصصوا في استغلال الثغرات القانونية وصياغة عقود تضيع الحقوق.
موظفون “مرتشون”: بعض ضعاف النفوس داخل المحليات الذين يمنحون “الشرعية” للمحررات المزورة مقابل المال الحرام.
بينما رجال أعمال وأباطرة كبار استغلوا نفوذهم القديم وعلاقاتهم لتحويل أراضٍ زراعية إلى منتجعات، أو الاستيلاء على آلاف الأفدنة في الصعيد.
الضحايا: أحلام تتبخر ومشاريع تتوقف
“محمود د.”.. شقاء العمر ضاع في لحظة في ردهات المحاكم، التقينا “محمود”، موظف بسيط دفع 930 ألف جنيه “تحويشة العمر” لشراء قطعة أرض بأبو رواش.
يقول والدموع تملأ عينيه: “العقد كان عليه ختم النسر.. اكتشفت بعد 6 شهور إن الختم مزور، وإن الأرض ملك ناس تانية.. المزور اختفى وأنا بقيت في الشارع مهدد بالحبس”.
ففي سوهاج، تعطل مشروع صرف صحي يخدم آلاف المواطنين بقيمة 170 مليون جنيه، لأن “المافيا” وضعت يدها على 130 فدانًا مخصصة للمشروع، ضاربة عرض الحائط بمعاناة الأهالي.
صرخة إلى رئيس الجمهورية
“الأرض تستغيث.. والضرب بيد من حديد هو الحل”
السيد الرئيس/ عبد الفتاح السيسي إن ما كشفه هذا التحقيق ليس مجرد حبر على ورق، بل هو بلاغ رسمي إلى سيادتكم.
إن “مافيا الأراضي” لا تسرق تراب الوطن فحسب، بل تسرق مستقبل أبنائه، وتهدد الأمن القومي بضرب الرقعة الزراعية، وتزعزع ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
إن الجهود المبذولة من لجنة استرداد أراضي الدولة عظيمة ومقدرة، ولكن “الوباء” استفحل وتطور، إننا نناشد سيادتكم التوجيه بما يلي:
إنشاء محاكم عسكرية أو دوائر إرهاب مختصة لنظر قضايا نهب أراضي الدولة، باعتبارها جريمة مخلة بالشرف والأمن القومي.
الرقمنة الكاملة والقسرية لكافة سجلات الشهر العقاري وربطها بالأقمار الصناعية لغلق باب التزوير للأبد.
تطهير الإدارات الهندسية والمحليات من العناصر الفاسدة التي تمثل “العمود الفقري” لهذه المافيا.
سيادة الرئيس.. لقد عهدناكم سيفاً بتاراً في مواجهة الفساد.. وأرض مصر أمانة في أعناقنا جميعاً، تنتظر منكم القول الفصل لإنهاء حقبة “وضع اليد” وإعادة “هيبة الدولة” كاملة غير منقوصة.
اقرأ أيضًا:
Share this content:















إرسال التعليق