
كتب: صلاح هليل
على مدار سنوات، خضع جيفري إبستين لتحقيقات وصفت بأنها من بين الأكثر تعقيداً وحساسية في تاريخ وزارة العدل الأمريكية.
ووفق وكالة أسوشيتد برس فقد فتش مكتب التحقيقات الفيدرالي منازله في نيويورك وفلوريدا وجزر العذراء الأمريكية، ودقق في حساباته البنكية، واستعرض آلاف الرسائل الإلكترونية.
وأجرى مقابلات مطولة مع عشرات الضحايا والشهود، في محاولة لتحديد ما إذا كان يدير شبكة اتجار جنسي تخدم رجالاً نافذين حول العالم.
النتيجة التي توصلت إليها مذكرات الادعاء الداخلية، وفق مراجعة لوكالة أسوشيتد برس، كانت واضحة:
الأدلة تثبت اعتداء إبستين جنسياً على قاصرات، لكنها لم تظهر وجود شبكة منظمة لتقديم الفتيات إلى شخصيات بارزة، كما لم تكشف عن “قائمة عملاء” طالما جرى تداولها في الإعلام.
مراجعة الأدلة المصادرة
صادر المحققون كميات ضخمة من المواد الرقمية، شملت أقراصاً مدمجة وصوراً مطبوعة ومقاطع فيديو وأجهزة إلكترونية.
وعثر على صور لنساء عاريات، بعضهن بدين قاصرات، إضافة إلى ما بين 15 و20 صورة إباحية لأطفال قال المحققون إن إبستين حصل عليها من الإنترنت.
لكن مساعدة المدعي العام الأمريكي آنذاك، مورين كومي، أكدت في رسالة إلكترونية أن أيّاً من مقاطع الفيديو أو الصور لم يظهر اعتداءات جنسية موثقة على الضحايا، ولم يتضمن لقطات تدين رجالاً آخرين.
وشددت على أنه لو وجدت مواد من هذا النوع، لتم تتبع كل خيط يقود إلى متورطين محتملين.
تحقيقات مالية بلا نتائج جنائية
فحص المحققون أيضاً التحويلات المالية لإبستين، بما في ذلك مدفوعات لجهات وأفراد مرتبطين بدوائر أكاديمية ومالية ودبلوماسية بارزة، كما رصدوا مدفوعات لأكثر من 25 امرأة بدت بعضهن عارضات أزياء.
ومع ذلك، لم يعثر على أدلة تثبت إجبار نساء على ممارسة الدعارة مع رجال آخرين، أو وجود مخطط اتجار منظم.
مزاعم “الإعارة” تحت المجهر
أثارت بعض الضحايا، وعلى رأسهن فيرجينيا روبرتس جوفري، ادعاءات بأن إبستين “أعارها” لرجال نافذين، من بينهم الأمير البريطاني أندرو.
وأكد المحققون تعرضها لاعتداء من إبستين، إلا أن مذكرات الادعاء أشارت إلى تناقضات في رواياتها,
وإلى أن ضحيتين أخريين نفتا تعرضهما لتجربة مماثلة رغم ذكر اسميهما في سياق تلك الادعاءات.
وذكرت الوثائق أن جوفري أقرت بكتابة مذكرات شبه خيالية تضمنت أحداثاً لم تقع.
كما قدمت روايات متباينة خلال مقابلاتها، بينها أقوال غير دقيقة عن تعاملاتها مع مكتب التحقيقات الفيدرالي.
ومع ذلك، ظلت متمسكة باتهامها بتعرضها للاتجار لصالح رجال من النخبة، مؤكدة في مذكراتها التي نشرتها قبل وفاتها أن المدعين لم يضموها إلى قضية ماكسويل خشية تشتيت هيئة المحلفين.
ملف الأمير أندرو وشخصيات أخرى
سعى المدعون لترتيب مقابلة مع الأمير أندرو – المعروف حالياً باسم أندرو ماونتباتن-ويندسور – لكنه رفض الإدلاء بشهادته. وقد سوّت جوفري دعوى مدنية معه خارج المحكمة.
كما دقق المحققون في علاقات إبستين بعدد من الشخصيات، بينهم قطب التجزئة ليس ويكسنر.
الذي أبلغ محاموه السلطات أنه قطع علاقته بإبستين عام 2007 بعد اكتشافه اختلاس أموال. وأكد المدعون لاحقاً أنه لم يعتبر شريكاً في أي مؤامرة.
ودرست كذلك اتهامات وجهتها نساء إلى المستثمر ليون بلاك، بزعم تحرش خلال جلسات تدليك، لكن التحقيق الذي أجراه مكتب المدعي العام في مانهاتن لم يسفر عن توجيه اتهامات.
ونفت محاميته أي مخالفات، مشيرة إلى أن المدفوعات التي قدمها لإبستين كانت مقابل خدمات تخطيط عقاري واستشارات ضريبية.
أما وكيل العارضات الفرنسي جان لوك برونيل، الذي ارتبط اسمه بإبستين في الولايات المتحدة، فقد وجهت إليه اتهامات منفصلة في فرنسا قبل أن ينتحر في السجن أثناء انتظار محاكمته.
مساعدون ومقربون
في 2019، درس المدعون توجيه اتهامات إلى إحدى مساعدات إبستين، خلصوا إلى أنها ساعدته في دفع أموال لفتيات وربما علمت أن بعضهن قاصرات.
لكنهم اعتبروا أنها كانت أيضاً ضحية لتلاعبه واعتداءاته، ولم توجَّه إليها تهم.
كما فحصت علاقة إبستين بإحدى صديقاته التي شاركت في ممارسات جنسية مع بعض الضحايا عندما كانت بين 18 و20 عاماً، غير أن الأدلة لم تكن كافية للملاحقة القضائية.
“قائمة العملاء”… حقيقة أم وهم؟
رغم التصريحات العلنية التي أشارت إلى وجود “قائمة عملاء” لإبستين، أكدت مراسلات داخلية لمكتب التحقيقات الفيدرالي أواخر 2024 وبداية 2025 أن المحققين لم يعثروا على مثل هذه القائمة.
وجاء في رسالة رسمية أن التغطية الإعلامية تشير إلى وجودها، لكن التحقيق لم يكشف عنها.
مسار قضية امتد عقدين
بدأت القضية عام 2005 ببلاغ عن تحرش بفتاة في الرابعة عشرة من عمرها في بالم بيتش.
وبعد تحقيق أولي، أبرم المدعي الفيدرالي في ميامي ألكسندر أكوستا صفقة إقرار بالذنب عام 2008، سمحت لإبستين بقضاء 18 شهراً فقط في السجن.
أعادت تقارير صحفية عام 2018 تسليط الضوء على الصفقة المثيرة للجدل، ما دفع مدعين فيدراليين في نيويورك لإعادة فتح الملف.
ألقي القبض على إبستين في يوليو 2019، لكنه انتحر في زنزانته بعد شهر واحد.
وفي 2021، أدينت شريكته المقربة غيسلين ماكسويل بتهم تتعلق بتجنيد قاصرات والاتجار بهن، وحكم عليها بالسجن 20 عاماً.
ورغم استمرار مراجعة ملايين الصفحات من الوثائق التي أفرج عنها بموجب قانون شفافية ملفات إبستين.
فإن ما كشف حتى الآن يشير إلى أن التحقيقات، على اتساعها، لم تثبت وجود شبكة نافذين تدير عمليات اتجار منظم.
ولم تفضِ إلى توجيه اتهامات إضافية تتجاوز إبستين وماكسويل، لتبقى القضية واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في التاريخ القضائي الأمريكي الحديث.
اقرأ أيضًا:
Share this content:















إرسال التعليق