
كتب: أحمد السعدني
بالنظر إلى السنة الأولى من ولايته الثانية، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الترويج لما يصفه بـ المعجزة الاقتصادية للاقتصاد الأمريكي.
وفي تحقيق مطول فردته صحيفة “أسوشيتد برس” شككت في قول ترامب أن فرضه رسومًا جمركية مرتفعة على المنتجات الأجنبية أعاد الحيوية إلى الاقتصاد الأمريكي.
وفي مقال رأي نشره مؤخرًا في صحيفة وول ستريت جورنال، هاجم ترامب منتقديه، ومن بينهم اقتصاديون بارزون.
كانوا قد حذروا من أن الرسوم الجمركية سترفع الأسعار وتضر بالنمو، ليؤكد أن النتائج جاءت على عكس التوقعات تمامًا.
غير أن مراجعة البيانات الاقتصادية المتاحة تشير إلى أن كثيرًا من الأدلة التي يستند إليها ترامب إما غير دقيقة أو مجتزأة، بل وأحيانًا مضللة.
ادعاء باطل
ويكرر ترامب ادعاءه بأن الولايات المتحدة كانت دولة ميتة اقتصاديًا قبل عودته إلى السلطة، وأنها أصبحت الآن الاقتصاد الأكثر سخونة في العالم.
إلا أن الأرقام الرسمية لا تدعم هذا الطرح. فالاقتصاد الأمريكي لم يكن في حالة انهيار عند نهاية ولاية جو بايدن.
بل حقق في عام 2024 نموًا بنسبة 2.8% بعد احتساب التضخم، متفوقًا على معظم الاقتصادات المتقدمة باستثناء إسبانيا، كما شهد نموًا قويًا خلال الفترة من 2021 إلى 2023.
وبينما لم تصدر البيانات النهائية لعام 2025 بعد، أظهرت المؤشرات خلال الأشهر التسعة الأولى من العام أداءً متقلبًا.
ففي الربع الأول، انكمش الناتج المحلي الإجمالي للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، نتيجة قفزة حادة في الواردات.
وذلك بعدما سارعت الشركات الأمريكية إلى استيراد السلع الأجنبية قبل دخول الرسوم الجمركية حيز التنفيذ.
لكن المشهد تغيّر في النصف الثاني من العام، إذ عاد الاقتصاد إلى النمو بقوة، مسجلًا 3.8% في الربع الثاني، و4.4% في الربع الثالث.
ويعزى هذا الانتعاش جزئيًا إلى تراجع الواردات، نتيجة الرسوم الجمركية وتكديس المستوردين للبضائع في بداية العام، إضافة إلى قوة الإنفاق الاستهلاكي.
سوق الأسهم
وفيما يخص سوق الأسهم، يشير ترامب إلى تسجيل مؤشرات وول ستريت مستويات قياسية جديدة عشرات المرات خلال عام 2025.
ورغم الأداء القوي للسوق الأمريكية، إلا أنها لم تكن الأفضل عالميًا، إذ حققت أسواق أخرى مكاسب أعلى بكثير، من بينها كوريا الجنوبية وهونغ كونغ واليابان وألمانيا والمملكة المتحدة.
التضخم
أما بشأن التضخم، فيؤكد ترامب أن معدل التضخم الأساسي السنوي تراجع إلى 1.4% فقط خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
غير أن خبراء الاقتصاد يرون أن هذا الرقم يعكس قراءة انتقائية للبيانات.
فقد تأثرت الأرقام بإغلاق حكومي في أكتوبر ونوفمبر، ما أدى إلى إدخال تقديرات تقريبية خفّضت معدل التضخم بشكل مصطنع.
وتشير البيانات الأوسع إلى أن التضخم الأساسي خلال الأشهر الستة الأخيرة من عام 2025 بلغ 2.6%، وهو مستوى قريب مما كان عليه في أواخر 2024.
كما استقر التضخم العام عند نحو 3% قبل الإغلاق الحكومي، وهو نفس المستوى المسجل في يناير 2025.
ورغم أن التضخم لم يصل إلى المستويات التي توقعتها بعض التقديرات عند فرض الرسوم الجمركية.
فإن ذلك يعود جزئيًا إلى تراجع الإدارة عن فرض رسوم على بعض السلع الأساسية، مثل القهوة ولحم البقر وخزائن المطابخ، بعد تصاعد القلق الشعبي بشأن تكاليف المعيشة.
الرسوم الجمركية
وتكشف البيانات أن أثر الرسوم الجمركية يظهر بشكل أوضح في أسعار السلع الأساسية غير الغذائية، التي ارتفعت بنسبة 1.4% على أساس سنوي في ديسمبر الماضي.
وهي أعلى زيادة من نوعها خارج فترات الجائحة منذ عام 2011.
وخلص الخبير الاقتصادي ألبرتو كافالو من جامعة هارفارد إلى أن رسوم ترامب رفعت التضخم الإجمالي بنحو ثلاثة أرباع نقطة مئوية.
وفيما يخص توزيع عبء الرسوم الجمركية، يزعم ترامب أن المنتجين الأجانب يتحملون النسبة الأكبر.
إلا أن الدراسة التي استشهد بها تشير إلى عكس ذلك، إذ أظهرت أن المستهلكين الأمريكيين تحملوا نحو 43% من تكلفة الرسوم.
بينما تكفلت الشركات الأمريكية بمعظم النسبة المتبقية، مع محدودية تأثير الرسوم على خفض أسعار الواردات.
العجز التجاري
أما بشأن العجز التجاري، فيؤكد ترامب أنه خفض العجز الشهري بنسبة 77%، غير أن هذا الادعاء يستند إلى مقارنة انتقائية بين شهر شهد عجزًا استثنائيًا مرتفعًا وآخر منخفضًا.
فعليًا، ارتفع العجز التجاري التراكمي خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من عام 2025 إلى نحو 840 مليار دولار.
وذلك بزيادة 4% عن الفترة نفسها من عام 2024، رغم تراجعه الشهري لاحقًا بعد طفرة الاستيراد في بداية العام.
ملف الاستثمارات
يتفاخر ترامب بتأمين التزامات استثمارية تتجاوز 18 تريليون دولار، لكن البيت الأبيض نشر رقمًا أقل بلغ 9.6 تريليون دولار.
بينما قدّر باحثون مستقلون قيمة التعهدات بنحو 5 تريليونات دولار فقط، مع التشكيك في إمكانية تنفيذها بالكامل، بسبب غموض الاتفاقيات وصعوبة التزام بعض الدول بها.
ورغم ذلك، تبقى هذه الأرقام ضخمة مقارنة بحجم الاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة.
والذي بلغ 151 مليار دولار فقط في عام 2024، ما يعكس فجوة واضحة بين الوعود المعلنة والواقع القابل للتحقق.
وفي المحصلة، تكشف البيانات أن الاقتصاد الأمريكي لم يكن على شفا الموت قبل عودة ترامب.
كما أنه لم يشهد معجزة كاملة بعد فرض الرسوم الجمركية، بل مر بمسار معقد من المكاسب والتكاليف، تتداخل فيه الدعاية السياسية مع حقائق اقتصادية أكثر تشابكًا.
اقرأ أيضًا:
Share this content:















إرسال التعليق