
منذ أن عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض رئيسًا للولايات المتحدة في ولايته الثانية، بدا واضحًا أن العالم لم يعد أمام رئيس دولة، بل أمام رجل صفقات قرر أن يتعامل مع الكوكب كله كما لو كان مكتبًا تابعًا له.
لا دبلوماسية، لا أعراف، لا قانون دولي، فقط أوامر تلقى من واشنطن، وعلى الجميع التنفيذ.
ترامب لا يفاوض، بل يملي، لا يناقش، بل يهدد، ولا يعترف بأن للعالم دولًا ذات سيادة، بل يرى خريطة كبرى يمكن إعادة رسمها.
وذلك وفق ما يخدم المصالح الأمريكية فقط، ولو على أنقاض الاستقرار الدولي والإنساني، وعلى قوانين الأمم المتحدة.
من فنزويلا إلى الصين
من فنزويلا، حيث تحولت ثرواتها النفطية إلى هدف مشروع تحت شعار المصالح الأمريكية، إلى الدنمارك التي طلب منها التنازل عن غرينلاند.
وكأن الجغرافيا قطعة أرض معروضة للبيع، تتكشف عقلية لا ترى في الدول سوى موارد، ولا في الشعوب سوى أرقام.
كندا لم تسلم من هذا العبث السياسي، حين طرحت فكرة ضمها لتصبح الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، في تصريح يعكس استخفافًا فجًا بتاريخ دولة حليفة وحدود سيادتها.
أما الصين، فالمطلوب منها ببساطة أن تشتري أكثر، لأن العجز التجاري الأمريكي يجب أن يحل بأموال الآخرين.
الشرق الأوسط
وفي الشرق الأوسط، تتجلى الصورة الأكثر خطورة، أوامر للأردن ومصر وغيرهما باستيعاب سكان غزة بكل الطرق الممكنة.
وكأن القضية الفلسطينية أزمة لوجستية لا شعبًا له أرض وحقوق، ويغض الطرف عما عانوه خلال ويلات حرب غير متكافئة.
وفي المقابل، تطرح تصورات ” ترامبية ” لتوسيع أرض إسرائيل، في تحدٍ صارخ للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
أوامر “ترامبية” متنوعة
حتى الحلفاء لم ينجوا، دول الناتو مطالبة بزيادة إنفاقها العسكري، لا لأن الخطر يهدد الجميع، بل لأن واشنطن قررت تقليص فاتورتها.
ألمانيا واليابان مطالبَتان بدفع المليارات مقابل وجود قوات أمريكية على أراضيهما، وكأن الحماية تحولت إلى خدمة مدفوعة الأجر.
أما النفط، فله أوامره الخاصة، أوبك مطالبة بزيادة الإنتاج لإضعاف روسيا، والسعودية مطالبة بضخ تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي.
لأن الحليف الجيد، بمنطق ترامب، هو من يدفع أكثر، من يدفع وهو صاغر مرتعش، وإلا تتحول الترسانات المسلحة حيث يريد هو.
هذه ليست سياسة خارجية، بل إدارة فوقية للعالم، ليست قيادة، بل فرض إرادة، وليست شراكات دولية، بل علاقة السيد بالتابع.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في هذه الأوامر، بل في اعتياد العالم عليها، في صمت المجتمع الدولي، وفي تراجع مفهوم السيادة، وفي تحول القانون الدولي إلى نص معلق لا يقرأ إلا عند الحاجة.
ترامب لا يصنع نظامًا عالميًا جديدًا، بل يعيد إحياء شريعة الغاب، حيث القوي يأمر، والضعيف يجبر على الطاعة، ومن يعترض يعاقب اقتصاديًا أو سياسيًا أو عسكريًا.
ويبقى السؤال الأخطر: إلى متى سيقبل العالم أن يدار بالأوامر؟ ومتى يدرك أن الصمت اليوم، ثمنه الفوضى غدًا؟
اقرأ أيضًا:
Share this content:













إرسال التعليق