
يشهد المجتمع المصري في السنوات الأخيرة تصاعدًا مقلقًا في معدلات العنف، سواء على مستوى الحياة العامة أو داخل الأسرة، في ظاهرة باتت تنذر بخطر عميق يطال بنية المجتمع وثقافته.
وما يظهر على وسائل التواصل الاجتماعي من جرائم وانتهاكات ليس إلا جزءًا بسيطًا من الواقع، إذ يفضّل كثيرون التستر على ما يجري وراء الأبواب المغلقة بسبب الأعراف الاجتماعية والخوف من الفضيحة.
مشاهد صادمة
جرائم قتل لأطفال في عمر الزهور، وحوادث بشعة ترتكب لأجل قطعة ذهبية، وأخ يقتل أخاه، وزوج ينهي حياة زوجته، وزوجة تقتل زوجها.
مشاهد صادمة لم تكن مألوفة بهذا الشكل، وتدل على خروج الظاهرة عن إطارها التقليدي وتحولها إلى مشكلة مجتمعية واسعة تحتاج إلى وقفة جادة.
هذه الجرائم ليست مجرد حوادث فردية بل مؤشرات على تغيرات نفسية واجتماعية عميقة تضغط على الأفراد وتدفعهم إلى سلوكيات خارجة عن المألوف.
يرى خبراء علم النفس والاجتماع أن العنف المتزايد نتاج تراكمات معقدة تبدأ بالضغوط الاقتصادية وتدهور العلاقات الأسرية وتراجع منظومة القيم.
وصولًا إلى التعرض المستمر لمحتوى عنيف عبر الإنترنت والمنصات المختلفة، خاصة ما يعرف بـ “الويب المظلم”.
هذه الظاهرة التي اقتحمت المجتمع المصري دون رقابة كافية، وحمل معه أنماطًا جديدة وخطيرة من الجرائم.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح للإعلام دور محوري لا يقل أهمية عن دور المؤسسات الرسمية، بل أخطر.
العنف .. البحث عن حلول
فبدلًا من التركيز على التفاصيل المثيرة وإعادة نشر مشاهد الدم والعنف، يجب أن يتحول الإعلام إلى قوة توعية تقدم حلولًا، وتدعم المتخصصين في دراسة الظاهرة ومعالجتها.
التركيز على الأسباب وجذور المشكلة أهم بكثير من إعادة تدوير صور الضحايا والقتلة التي لا تزيد المجتمع إلا خوفًا وقلقًا.
أما الأسرة، فهي خط الدفاع الأول والأقوى في مواجهة هذا المد المتصاعد من العنف.
فالوعي الأسري، والمراقبة السليمة لسلوك الأبناء، وتعزيز الروابط العاطفية داخل البيت، كلها عوامل قادرة على منع الانحراف قبل حدوثه.
لقد أثبتت حوادث كثيرة أن التفكك الأسري، والإهمال، وغياب الحوار بين الآباء والأبناء، كانت مدخلًا رئيسيًا لتفاقم العنف.
ولا يمكن تجاهل الدور المهم للمؤسسات الدينية في دعم الاستقرار المجتمعي، عبر نشر قيم التسامح والرحمة والانضباط الأخلاقي.
بالإضافة إلى تعزيز الخطاب الديني الذي يحارب التطرف السلوكي والفظاظة، من خلال المنابر في حدود الشرع وقوانينه.
فالمجتمع المصري بطبيعته متدين، وبالتالي فإن للخطاب الديني تأثيرًا مباشرًا في تهذيب السلوك وردع الانحرافات.
في النهاية، فإن ما يحدث اليوم من جرائم عنف يتطلب تدخلًا عاجلًا من جميع الجهات: علماء النفس والاجتماع لدراسة الظاهرة ووضع حلول فعلية.
والدولة لسنّ سياسات ردع كافية، علاوة على سرعة الإنجاز العلني في حق المتهمين الذين تثبت عليهم التهمة.
بالإضافة إلى تفعيل دور الإعلام لنشر الوعي، والمؤسسات الدينية لدعم القيم الأخلاقية، والأسر لحماية أبنائها من المخاطر.
فالسكوت عن هذه الممارسات الخطيرة يعني فتح الباب أمام تفاقم الظاهرة حتى تصبح كارثة اجتماعية يصعب السيطرة عليها مستقبلاً.
Share this content:













إرسال التعليق