رئيس مجلس الإدارة والمشرف العام
د/ محمد الحسيني

الدكتور محمد الحسيني يكتب: بعد قرار أمريكي مفاجئ .. هل تقترب مصر من دائرة النار؟

3 مارس 2026 2:38 م 0 تعليق
د. محمد الحسيني
د. محمد الحسيني

تعيش المنطقة لحظات شديدة الحساسية بعد قرار مفاجئ من الولايات المتحدة الأمريكية بإجلاء رعاياها من 12 دولة من بينها مصر.

وذلك في خطوة احترازية تعكس قلقًا متزايدًا من احتمالات اتساع رقعة المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط.

التحرك الأمريكي جاء بالتزامن مع تصعيد خطير تمثل في استهداف أهداف مدنية في دول خليجية، بينها منشآت طاقة ومصافي بترول.

مما رفع مستوى التهديد الإقليمي إلى درجة غير مسبوقة، ودفع عواصم عدة إلى إعادة تقييم مواقفها الأمنية والعسكرية.

تاريخيًا، تعتبر القاهرة أن أمن الخليج يمثل امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وهو ما يجعل أي تهديد واسع النطاق في تلك المنطقة محل متابعة دقيقة من مؤسسات الدولة المصرية.

بينما في ظل الحديث عن ترتيبات دفاعية محتملة لحماية الملاحة والمنشآت الحيوية، تبرز مصر كأحد الأطراف المرشحة للمشاركة في أي تحالف إقليمي لحماية استقرار الممرات البحرية الاستراتيجية.

وتزداد حساسية الموقف مع تداول تقارير عن تهديدات غير معلنة تتعلق بمرور قطع بحرية تابعة لحلف حلف شمال الأطلسي عبر الممرات الدولية، ومن بينها حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديجول.

القاهرة، من جانبها، تؤكد باستمرار أن حرية الملاحة في الممرات الدولية مكفولة وفق القوانين المنظمة، وأن أي مساس بسيادتها أو أراضيها سيقابل برد حاسم.

بينما في المقابل، تتحرك مصر على المسار الدبلوماسي بشكل مكثف، عبر قنوات اتصال مفتوحة مع إيران، وتنسيق مستمر مع قوى دولية مؤثرة مثل روسيا والصين.

إلى جانب اتصالات مع عواصم خليجية لاحتواء ردود الفعل ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

الهدف المعلن هو دفع جميع الأطراف نحو تهدئة عاجلة ووقف التصعيد قبل أن يتحول إلى صراع إقليمي مفتوح .

هذا الصراع قد يمتد إلى ساحات أخرى مثل سوريا ولبنان، مع احتمالات تداخل أدوار إقليمية إضافية.

رغم حدة التطورات، لا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية على انخراط عسكري مباشر لمصر في أي مواجهة.

لكن في الوقت نفسه، تبقى كل السيناريوهات مرتبطة بطبيعة تطور الأحداث على الأرض، ومدى تأثيرها على المصالح المصرية المباشرة، سواء في البحر الأحمر أو قناة السويس أو أمن الطاقة الإقليمي.

المشهد يتسم بسرعة التغير وتعقيد الحسابات، ما يجعل التكهن بنهايات واضحة أمرًا بالغ الصعوبة.

الثابت الوحيد حتى الآن هو أن القاهرة تحاول الموازنة بين حماية أمنها القومي وتجنب الانجرار إلى مواجهة واسعة، مع إبقاء أدوات الردع جاهزة إذا اقتضت الضرورة.

لم تعد المنطقة تحتمل مزيدًا من الحروب التي تدار من الخارج وتدفع كلفتها من الداخل.

ما يحدث اليوم يجب أن يكون جرس إنذار أخير لكل دولة عربية بأن الأمن لا يستورد، والسيادة لا تستعار، والقرار الوطني لا يكتب في عواصم أخرى.

لقد أثبتت التجارب أن الاعتماد المفرط على القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لا يصنع استقرارًا دائمًا.

بل يربط مصير المنطقة بحسابات مصالح لا تراعي دائمًا الأولويات العربية.

المصالح تتغير، والتحالفات تتبدل، لكن الأوطان تبقى… وشعوبها هي من تدفع الثمن إن أخطأت الحسابات.

اليوم، المطلوب ليس الانفعال، بل اليقظة، ليس الشعارات، بل العمل المشترك، ليس الاتكاء على الآخرين، بل بناء قوة ذاتية حقيقية.

بينما الحديث عن منظومة أمن عربي أكثر تماسكًا لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية.

التعاون العسكري، والتكامل الاقتصادي، وتوحيد المواقف في القضايا المصيرية، كلها أدوات تصنع توازنًا يحمي القرار العربي من الضغوط ويمنع تكرار سيناريوهات الفوضى.

وفي خضم هذا المشهد المتقلب، تبقى الحقيقة الثابتة أن الشعوب الواعية وجيوشها الوطنية هي صمام الأمان.

لا أحد أحرص على الأرض من أهلها، ولا أحد أصدق في حماية الاستقرار من مؤسساتها الوطنية.

بينما فيما يتعلق بدول إقليمية مثل إيران، فإن قراءة التاريخ تؤكد أن الدول ذات الامتداد الحضاري العميق لا تمحى بقرار خارجي، وأن أي تغيير حقيقي ينبع من الداخل أولًا.

الرهان على التفكك السريع أو الانهيار الفوري غالبًا ما يكون وهمًا سياسيًا لا يصمد أمام حقائق الجغرافيا والتاريخ.

المرحلة تتطلب شجاعة قرار، ووضوح رؤية، وإدراكًا أن الأمن القومي العربي مسؤولية مشتركة لا تحتمل الانقسام.

من لا يتعلم من دروس الماضي، سيجد نفسه مضطرًا لتعلمها تحت ضغط الواقع.

الرهان الآن على وعي الشعوب، وعلى قيادات تدرك أن قوة المنطقة في وحدتها، وأن مستقبلها يجب أن يصاغ بإرادتها .. لا بإرادة غيرها.

Share this content:

إرسال التعليق

مقالات أخري