
لم تكن القرصنة الأمريكية والتدخل في شؤون دول أمريكا اللاتينية، بخاصة فنزويلا، يومًا استثناءً بالسياسة الخارجية لواشنطن، ولكن التاريخ يسرد العديد منها.
وشكلت القرصنة عبر عقود طويلة نمطًا متكررًا قائمًا على منطق الهيمنة وفرض الإرادة بالقوة، متجاوزًا مبادئ السيادة الوطنية والقانون الدولي.
وما تم اليوم من استهداف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، بقرصنة أمريكية مقيتة، في عملية وصفت بالسرية والسريعة واعتقالهما.
يعيد إلى الأذهان فصولًا سوداء من التاريخ الأمريكي في المنطقة، حيث كانت “الديمقراطية” تستخدم شعارًا، بينما تمارس أبشع أشكال القرصنة السياسية والعسكرية على أرض الواقع.
اللغة التي استخدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه فنزويلا، منذ وصوله إلى البيت الأبيض، لم تكن خافية على أحد.
فقد وسم حكومته مادورو مرارًا بأنها “نظام غير شرعي”، وفرض عليها حصارًا اقتصاديًا خانقًا.
وعمل على خنق الشعب الفنزويلي تحت ذرائع سياسية وأمنية، في محاولة واضحة لدفع البلاد نحو الانهيار الداخلي تمهيدًا لإسقاط قيادتها.
إن اعتقال مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد، فإن ذلك لا يمكن توصيفه إلا كجريمة سياسية مكتملة الأركان، وانتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة.
وتكريس لسياسة شريعة الغاب، حيث تمنح دولةٌ ما نفسها الحق في اختطاف رؤساء دول ذات سيادة دون أي مسوغ قانوني أو تفويض دولي.
بنما 1989.. قرصنة أمريكية
ما يحدث اليوم يعيد للأذهان الغزو الأمريكي لبنما عام 1989، حين قررت واشنطن، بقرار منفرد، اجتياح دولة مستقلة واعتقال زعيمها العسكري مانويل نوريغا.
وذلك تحت ذريعة مكافحة المخدرات، حينها، لم يكن القانون الدولي حاضرًا، ولم تحترم سيادة الدولة البنمية.
ولكن سحقت العاصمة تحت القصف، وسقط المئات من المدنيين، بينما خرجت الولايات المتحدة لتعلن “انتصار العدالة”.
السيناريو ذاته يتكرر اليوم مع فنزويلا، مع اختلاف الأسماء وتبدّل الذرائع، ولكنه يتفق معه في الأسلوب.
فبدل نوريغا، يقف مادورو، وبدل بنما، تقف فنزويلا الغنية بالنفط والمتمردة على الإملاءات الأمريكية.
وبدل الاجتياح العسكري المباشر، تستخدم أدوات أكثر دهاءً: حصار اقتصادي، عقوبات، تحريض داخلي، ثم عمليات نوعية تدار في الظل.
تجارة المخدرات .. ذريعة قديمة بوجه جديد
الذريعة الأمريكية الدائمة في مثل هذه القضايا كانت ولا تزال “مكافحة المخدرات”.
فقد سوّق ترامب، ومن قبله إدارات أمريكية عديدة، اتهامات لفنزويلا بأنها دولة راعية لتجارة المخدرات، وأنها تمثل خطرًا مباشرًا على الأمن القومي الأمريكي.
غير أن هذه الاتهامات، بحسب ردود الحكومة الفنزويلية، تفتقر إلى الأدلة القانونية وتستخدم كغطاء سياسي لتبرير التدخل.
فقد أكد الرئيس المخطوف نيكولاس مادورو في أكثر من خطاب أن بلاده تخوض معركة حقيقية ضد شبكات تهريب المخدرات.
وأن موقع فنزويلا الجغرافي جعلها معبرًا قسريًا لتلك الشبكات القادمة من دول أخرى، دون أن يعني ذلك تورط الدولة أو رعايتها لتلك التجارة.
المفارقة أن الولايات المتحدة نفسها تعد أكبر سوق استهلاكي للمخدرات في العالم، بينما تحمّل دول الجنوب مسؤولية أزمة داخلية تعجز عن حلها.
فهي تختار تصدير المشكلة عبر العقوبات والتدخلات العسكرية بدل معالجة جذورها داخل حدودها.
انتهاك السيادة .. وخطر تعميم الفوضى
الخطورة الحقيقية في مثل هذه الممارسات لا تكمن فقط في استهداف دولة بعينها، بل في تكريس سابقة بالغة الخطورة، مفادها أن أي دولة كبرى تستطيع، متى شاءت، اعتقال قادة دول أخرى إذا اختلفت معهم سياسيًا.
وهو ما ينسف كليًا فكرة النظام الدولي، ويحوّل العلاقات بين الدول لساحة صراع مفتوحة يحكمها ميزان القوة لا ميزان العدالة.
إن صمت المجتمع الدولي، أو تواطؤه، أمام مثل هذه الانتهاكات، يفتح الباب أمام فوضى عالمية.
حيث تصبح السيادة مفهومًا هشًا، ويغدو القانون الدولي مجرد نصوص بلا قيمة، تخرق متى تعارضت مع مصالح القوى الكبرى.
كلمة أخيرة
ما تتعرض له فنزويلا اليوم، سواء عبر الحصار أو الاتهامات أو العمليات السرية بخطف رئيسها، ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل الهيمنة الأمريكية على دول ترفض الانصياع.
وبينما ترفع واشنطن شعارات الحرية وحقوق الإنسان، تمارس في الواقع سياسات القرصنة السياسية، وتعيد إنتاج استعمار قديم بأدوات جديدة.
ويبقى السؤال الأهم: إلى متى سيظل العالم يتعامل بازدواجية المعايير، ويصمت أمام انتهاكات ترتكب باسم “الأمن” و”الديمقراطية”، بينما تداس سيادة الشعوب تحت أقدام المصالح؟
Share this content:













إرسال التعليق