
لماذا لا تتعامل الولايات المتحدة مع رئيس كوريا الشمالية بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع رئيس فنزويلا المخطوف نيكولاس مادورو ؟ .. سؤال يطرح نفسه بإلحاح.
ففي عالم السياسة الدولية، لا تدار العلاقات بين الدول وفق الشعارات الأخلاقية أو القيم المعلنة في الخطابات الرسمية.
بل تحكم بمعادلة واحدة ثابتة لا تتغير بتغير الإدارات أو الأنظمة، وهي معادلة القوة، وصوتك مسموع على قدر قوتك.
فنزويلا وكوريا الشمالية
داخل هذه المعادلة يبرز مفهوم الردع بوصفه العامل الحاسم الذي يحدد كيف تعامَل الدول، وكيف ينظر إلى قادتها، وحدود ما يمكن فرضه عليهم أو انتزاعه منهم.
الإجابة، رغم قسوتها، واضحة وبسيطة: لأن كوريا الشمالية تمتلك قوة ردع حقيقية، بينما لا تمتلكها فنزويلا.
كوريا الشمالية تمتلك سلاحًا نوويًا ومنظومة صاروخية قادرة على إحداث دمار شامل، لكن الأهم من القدرة التدميرية هو الوظيفة السياسية لهذا السلاح.
الردع النووي الكوري الشمالي لا يستخدم للتهديد الإعلامي أو للمزايدة الخطابية، بل لمنع الآخرين من مجرد التفكير في الاعتداء.
حين تمتلك دولة هذا النوع من الردع، تصبح تكلفة أي مغامرة ضدها غير قابلة للحساب أو الاحتواء، وهو ما يدفع حتى أقوى دولة في العالم إلى التعامل معها بحذر شديد وحسابات معقدة.
من يملك الردع الحقيقي لا يهان، ولا يختطف، ولا تفرض عليه الشروط قسرًا، السيادة هنا ليست شعارًا، بل حقيقة تفرض نفسها على الجميع.
ولهذا لم تعامل كوريا الشمالية يومًا بوصفها ملفًا أمنيًا و قانونيًا مهما بلغ مستوى الخلاف معها أو حدة الخطاب ضدها.
في المقابل، كان المشهد مختلفًا تمامًا في الحالة الفنزويلية، لم تتعامل الولايات المتحدة مع رئيس فنزويلا باعتباره رئيس دولة ذات سيادة.
بل جرى التعامل معه كملف أمني وقضائي داخل المنظومة الأمريكية، بعيدًا عن البعد القانون الدولي والإنساني .
ألصقت به تهم جنائية متعددة، من تهريب مخدرات إلى حيازة سلاح وتهديد الأمن القومي.
لتنزَع عنه رمزيته السيادية ويعاد تعريفه كشخص متهم يمكن ملاحقته والتعامل معه خارج إطار العلاقات بين الدول.
رسالة سياسية
هذه الإهانة لم تكن موجهة لشخص بعينه، بل كانت رسالة سياسية واضحة ومقصودة، مفادها أن من لا يملك القوة الرادعة يمكن سحقه مهما كانت صفته أو موقعه.
الرسالة لم تكن لفنزويلا وحدها، بل لكل دولة تعتقد أن السيادة تحمى بالخطاب أو بالتحالفات غير المتكافئة.
الأخطر من الواقعة نفسها، أن رئيس فنزويلا ترك وحيدًا في لحظة الاختبار، البعض أقفل بابه، من منطلق، إذا جالك الريح .. سده واستريح!!
دول عديدة أعلنت دعمها اللفظي، وأصدرت بيانات شجب وإدانة، لكن لم يتجاوز الأمر حدود الكلام.
الصين وروسيا وإيران وكوبا وغيرها لم تتخذ خطوات عملية حقيقية، ليس بالضرورة عجزًا أو تخليًا، بل لأن السياسة الدولية لا تدار بالعواطف.
ولا أحد يخوض مواجهة كبرى مع الولايات المتحدة من أجل نظام لا يملك أوراق قوة حقيقية تفرض ثمنًا لأي صدام.
هنا تتكشف حقيقة مرة: لا تحمي الدول البيانات، ولا التحالفات الورقية، ولا الشعارات الأيديولوجية.
ما يحمي الدول هو سلاحها المستقل، وإرادة شعبها، وقرارها السيادي، السلاح الذي يحمي الدول هو السلاح المصنوع داخلها، الخاضع لقرارها، والمبرمج بشيفراتها الوطنية.
أما السلاح المستورد، مهما بلغت قوته، فيظل مرهونًا بحسابات من صنعه، وتبقى قابليته للاستخدام مرتبطة بتوافق المصالح لا بحاجة الدولة التي تمتلكه.
السؤال الذي تفرضه هذه الحقيقة بسيط في صياغته، لكنه قاسٍ في مضمونه: هل سيستخدم هذا السلاح لحمايتي إذا تعارضت مصلحتي مع مصلحة الدولة التي صنعته؟
هذا السؤال وحده كفيل بإعادة تعريف مفهوم الاستقلال العسكري والسيادي.
الحالة الفنزويلية
الحالة الفنزويلية تفتح أيضًا بابًا واسعًا من الأسئلة الاستراتيجية المؤلمة، أين كانت منظومات الإنذار المبكر؟ أين الرادارات والأقمار الصناعية؟
كيف تمكنت قوة محدودة من تنفيذ عملية دقيقة بهذا الحجم دون استشعار مسبق؟ لماذا لم ترفع درجات الجاهزية في الوقت المناسب؟
وأين كانت أجهزة الاستخبارات المدنية والعسكرية؟ هذه الأسئلة لا تحرج دولة واحدة، بل تنذر كل الدول التي تعتقد أن السيادة مسألة شكلية لا تتطلب استعدادًا دائمًا.
على النقيض التام، ترفض كوريا الشمالية حتى مجرد فتح نقاش حول سلاحها النووي.
وحين حاول الوسطاء الدوليون تقديم عروض تقوم على التنازل مقابل امتيازات اقتصادية، جاء الرد الكوري حاسمًا وقاطعًا.
الرسالة كانت واضحة: لا سيادة بلا سلاح، ولا كرامة تقايض بوعود مؤقتة أو امتيازات مشروطة.
قد يختلف كثيرون مع النظام الكوري الشمالي، لكنهم لا يستطيعون إنكار أن هذه المقاربة وفرت له حصانة سياسية لا تتوفر لغيره.
مفهوم السيادة
في السياق نفسه، لا يمكن تجاهل الطريقة التي يفهم بها الغرب مفهوم السيادة، حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ أمريكي مغلقة أمام أي تدخل خارجي.
لم يكن ذلك استثناءً أو زلة لسان، بل تطبيقًا مباشرًا لمفهوم راسخ في العقل السياسي الغربي.
المفهوم يقوم على أن الجوار الجغرافي يمثل عمقًا استراتيجيًا، ومن حق القوة الكبرى فرض إرادتها فيه بالقوة إذا لزم الأمر.
أما الحديث عن التحضر، والإنسانية، والعدالة، والقيم العالمية، فهو خطاب انتقائي يتبخر فور تعارض المصالح.
القوى نفسها التي تهاجم التاريخ الإسلامي، وتصف غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وفتوحات المسلمين بالدموية، تصمت اليوم أمام الغزو الحديث.
والعمل على احتلال الشعوب وتدمير الدول ونهب الموارد، وتعيد تسمية الأفعال نفسها بأسماء أكثر نعومة حين يكون الفاعل غربيًا.
الخلاصة التي يفرضها الواقع الدولي لا تقبل التزييف: العالم لا يحترم إلا من يفرض احترامه، والسيادة لا تمنح بل تنتزع وتحمى.
التاريخ لا يحكى للأطفال كي يناموا، بل يحكى للأمم كي تفهم وتستعد، ولا تلدغ من الوهم مرة بعد مرة.
وإذا كان في هذه الوقائع درس أخير، فهو أن بقاء الدول وأمنها وكرامتها مرهون بقوتها الذاتية، وبشعبها، وبقدرتها على حماية قرارها الوطني بعيدًا عن الأوهام والشعارات.
Share this content:












إرسال التعليق