رئيس مجلس الإدارة والمشرف العام
د/ محمد الحسيني

مسيرات مصرية على أرض سودانية .. هل تُعيد رسم خريطة الصراع في السودان؟

5 فبراير 2026 5:55 م 0 تعليق
حرب الطائرات المسيّرة - أرشيفية
حرب الطائرات المسيّرة – أرشيفية

كتب: عثمان عبد الماجد

تشير التقارير المتلاحقة بشأن تنفيذ مسيرات مصرية ضربات ضد قوات «الدعم السريع» انطلاقًا من قاعدة داخل الأراضي المصرية إلى منعطف بالغ الأهمية في الحرب السودانية.

ووفق وسائل إعلام سودانية، كشف التقرير بوضوح أن الصراع لم يعد حبيس الجغرافيا السودانية.

بل بات ساحة إقليمية مفتوحة تتداخل فيها الحسابات الأمنية لدول الجوار مع مصالح قوى دولية فاعلة.

وتزداد خطورة هذه التطورات كونها تأتي في لحظة تشهد فيها الجبهات الداخلية داخل السودان تآكلًا واضحًا.

مقابل اتساع غير مسبوق في دوائر التدخل الخارجي، بما يهدد بإطالة أمد الحرب وتعميق تعقيداتها السياسية والإنسانية.

ووفقًا لتقارير سودانية استندت إلى صور أقمار اصطناعية وبيانات تتبع الطيران ومقاطع مصورة، نفذت طائرات «بيرقدار أقنجي» التركية، خلال الأشهر الستة الماضية، عمليات استهداف لمقاتلي «الدعم السريع» وقوافل إمدادهم.

وذلك بعد انطلاقها من قاعدة يعتقد أنها تقع في منطقة شرق العوينات جنوب مصر.

ويعكس هذا التطور تحولًا لافتًا في المقاربة المصرية، بعدما اكتفت القاهرة طوال العامين الماضيين بتقديم دعم سياسي ولوجستي للجيش السوداني.

قبل أن تدفعها سيطرة «الدعم السريع» على مناطق حساسة، مثل الفاشر والمثلث الحدودي مع ليبيا، إلى إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية.

وتكشف هذه المعطيات عن تصاعد تدريجي في مستوى الانخراط العسكري المصري، رغم غياب أي إعلان رسمي.

إذ تواصل القاهرة التأكيد على أن أمن السودان امتداد مباشر لأمنها القومي، وأنها لا تعترف سوى بالمؤسسات الشرعية للدولة السودانية.

وفي هذا السياق، يرى اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع السابق، أن وجود جماعات مسلحة على الحدود الجنوبية يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.

مشيرًا إلى أن التحركات المصرية تأتي ضمن إطار مشروع لحماية المصالح الاستراتيجية.

غير أن تقارير أمريكية تذهب أبعد من ذلك، إذ تفيد بأن القاعدة الجوية في شرق العوينات شهدت عمليات توسعة منذ عام 2018.

وذلك قبل أن تتحول إلى منشأة عمليات نشطة ضمن واحدة من أكبر ساحات حروب الطائرات المسيّرة في العالم.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية وصول طائرات شحن تركية، وتركيب بنى اتصالات متقدمة.

ثم رصد طائرة «أقنجي» على المدرج، ما يشير إلى بدء تشغيلها فعليًا من داخل الأراضي المصرية.

ويمكّن المدى العملياتي الواسع لهذه الطائرات، الذي يتجاوز 4500 ميل، من تنفيذ ضربات عميقة داخل السودان.

وهو ما تؤكده مشاهد مصورة لقوافل محترقة في مناطق صحراوية بعيدة عن خطوط القتال التقليدية. ويأتي ذلك في ظل مشهد إقليمي بالغ التعقيد.

حيث تتهم تقارير دولية الإمارات بتزويد «الدعم السريع» بطائرات مسيّرة صينية بعيدة المدى، بينما يعتمد الجيش السوداني على منظومات تركية متطورة.

هذا التداخل يكشف أن الحرب السودانية تجاوزت كونها نزاعًا داخليًا، لتتحول إلى ساحة صراع بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية، لكل منها حساباته الخاصة.

ويشير الباحث جلال حرشاوي إلى أن سقوط الفاشر شكّل نقطة تحول دفعت القاهرة إلى تبني سياسات أكثر صرامة.

وذلك رغم تشابك علاقاتها الاقتصادية مع الإمارات، التي تعد من أبرز داعمي «الدعم السريع».

وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن الانخراط المصري، المعلن أو غير المعلن، يعكس مخاوف متزايدة من تمدد «الدعم السريع» نحو الحدود الجنوبية لمصر.

ومن احتمال تشكل كيانات مسلحة موازية تهدد وحدة السودان. غير أن هذا الانخراط، كما تحذر تقارير دولية، قد يسهم في تعقيد الصراع.

لا سيما مع دخول أطراف أخرى مثل تركيا وروسيا وإيران على خط الدعم العسكري.

وبين هواجس الأمن القومي، وصراع النفوذ الإقليمي، والفراغ السياسي داخل السودان، تتجه الحرب نحو مزيد من التشابك.

فالتكنولوجيا التي تستخدم اليوم في ضربات عابرة للحدود لا تعيد تشكيل ساحات القتال فحسب، بل تعيد رسم التحالفات الإقليمية.

علاوة على انها تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع يصعب احتواؤها دون توافق إقليمي ودولي شامل.

Share this content:

إرسال التعليق

مقالات أخري