رئيس مجلس الإدارة والمشرف العام
د/ محمد الحسيني

خطبة الجمعة القادمة كاملة 4 سبتمبر 2026م / 22 ربيع الأول 1448هـ  

30 أغسطس 2026 7:30 م 0 تعليق
وزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة
وزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة

 كتب: طه عبد السميع

لقد حددت وزارة الأوقاف المصرية موضوع خطبة الجمعة القادمة 4 سبتمبر 2026 الموافق 22 من شهر ربيع الأول 1448 تحت عنوان: الأسوة الحسنة.

وأكدت أن الهدف من الخطبة هو التعريف بشمائل النبي ﷺ ومظاهر رحمته الشاملة، واستلهام القيم النبوية الراقية وتطبيقها في واقعنا المعاصر.

وأن اختيار الموضوع يأتي انطلاقًا من منهج شرعي منضبط، وحرصًا على تناول القضايا التي تمس المجتمع.

مع استمرار جهودها في نشر قيم التسامح والاعتدال، وتعزيز روح الانتماء والوحدة الوطنية.

وتقول وزارة الاوقاف تظل سيرة النبي محمد ﷺ نموذجًا متكاملًا للاقتداء، فقد قدّمه القرآن الكريم باعتباره الأسوة الحسنة التي يجد فيها المسلم صورة عملية لتعاليم الإسلام.

فالأسوة ليست مجرد إعجاب بسيرة إنسان عظيم، وإنما هي أن تتحول القدوة إلى سلوك يقتدي به الإنسان في عبادته وأخلاقه وأسرته وعمله وعلاقته بالمجتمع، وهو ما جسده النبي ﷺ في مختلف جوانب حياته.

وقد أشار العلماء إلى أن الاقتداء بالنبي ﷺ يشمل أقواله وأفعاله وأحواله، وأن دراسة سيرته تمنح المسلم نموذجًا واضحًا للمثل الأعلى في شؤون الحياة المختلفة.

كان النبي ﷺ أكمل الناس عبودية لله تعالى، وأكثرهم خشوعًا وإقبالًا عليه، وكان كثير الذكر والاستغفار والدعاء.

حتى قال ﷺ: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» [رواه البخاري].

وكان قيام الليل من أبرز مظاهر صلته بربه، فقد قالت عائشة رضي الله عنها إنه كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه.

فلما سئل عن ذلك قال ﷺ: «أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا» [متفق عليه].

ومع هذا المستوى الرفيع من العبادة، لم يعرف ﷺ الغلو أو الانقطاع عن متطلبات الحياة.

بل جمع بين حق الله وحقوق النفس والأهل والمجتمع، مؤكدًا أن لكل ذي حق حقه.

وعندما أراد بعض أصحابه المبالغة في العبادة، أوضح لهم أن سنته تقوم على التوازن، فقال ﷺ:

«أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» [متفق عليه].

وهكذا قدم النبي ﷺ نموذجًا لعبادة لا تنفصل عن الحياة، بل تجعل العمل والأسرة والمعاملات جزءًا من حياة الإنسان المتصلة بالله.

كانت أخلاق النبي ﷺ ترجمة حية لمبادئ الإسلام، وقد شهد الله تعالى له بذلك فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خلقٍ عَظِیمࣲ﴾ [القلم: ٤].

وقالت عائشة رضي الله عنها في وصف أخلاقه ﷺ: «كان خلقه القرآن» [رواه مسلم].

فقد كان ﷺ رحيمًا بالناس، رفيقًا بهم، حليمًا على الجاهلين، يعفو عند المقدرة ولا يجعل الإساءة سببًا للانتقام الشخصي.

وقال ﷺ: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» [رواه أحمد].

ولم تكن رحمته مقصورة على أصحابه ومحبيه، وإنما شملت المخالفين والمسيئين أيضًا.

ومن أبرز صور ذلك موقفه من أهل الطائف، حين تعرض للأذى، فلم يكن رده قائمًا على الحقد أو الرغبة في الانتقام، بل ظل يرجو الخير والهداية.

ومن هنا فإن الاقتداء الحقيقي بالنبي ﷺ لا يكون بترديد الحديث عن أخلاقه فقط، وإنما بإظهار الرحمة والرفق والعفو وحفظ كرامة الآخرين في حياتنا اليومية.

قدم النبي ﷺ داخل بيته نموذجًا للأسرة التي تقوم على المودة والرحمة والاحترام وحسن العشرة.

فلم تمنعه مسؤولياته العظيمة من أن يكون قريبًا من أهله، يراعي مشاعرهم ويشاركهم شؤون حياتهم.

وقال ﷺ: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» [رواه الترمذي].

وكان ﷺ يعين أهله في شؤون المنزل، فقد قالت عائشة رضي الله عنها:

«كان يكون في مهنة أهله، يعني خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» [رواه البخاري].

كما ظهرت رحمته بالصغار في معاملته للحسن والحسين رضي الله عنهما. وكان يلاطفهما ويقبلهما، ويؤكد أهمية الرحمة في التعامل، فقال ﷺ: «من لا يرحم لا يرحم» [متفق عليه].

وكان يحث على حسن معاملة النساء، فقال ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا» [رواه مسلم].

وبذلك تحولت الأسرة في هديه ﷺ من مجرد إطار اجتماعي إلى مساحة للرحمة والتعاون وحفظ الحقوق والكرامة.

في علاقته بالناس، كان النبي ﷺ بشوشًا، حسن المعاملة، واسع الصدر، يستمع إلى الآخرين ويراعي اختلاف أحوالهم واحتياجاتهم.

وقال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: «ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي» [متفق عليه].

كما أرشد أصحابه إلى اعتماد اليسر والرفق في التعامل، فقال ﷺ: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» [متفق عليه].

وكان قريبًا من الضعفاء والمحتاجين، حريصًا على جبر خواطرهم وقضاء حوائجهم، كما كان يعالج أخطاء الناس بالحكمة بدلًا من التشهير بهم أو إهانتهم.

ومن ذلك موقفه مع الرجل الذي تكلم في الصلاة، فلم يعنفه النبي ﷺ أو يضربه أو يشتمه، وإنما علمه بهدوء، وهو ما جعل الرجل يشهد بحسن تعليمه ﷺ.

وهذا المنهج يوضح أن حسن التعامل لا يعني تجاهل الخطأ، وإنما تصحيحه مع الحفاظ على كرامة صاحبه.

لم ينظر النبي ﷺ إلى القيادة باعتبارها مكانة أو استعلاء، وإنما تعامل معها باعتبارها مسؤولية وأمانة تجاه الناس.

وكان ﷺ يقيم العدل بين الجميع، ولا يجعل القرابة أو المكانة سببًا لتغيير ميزان الحق.

كما كان يشاور أصحابه في القضايا المهمة، ليؤكد قيمة الشورى وتحمل المسؤولية المشتركة.

وفي المواقف الصعبة، لم يكن يطلب من الآخرين تحمل ما لا يتحمله هو، بل كان يشاركهم مشاقهم.

ففي غزوة الخندق شارك أصحابه في حفر الخندق وحمل التراب، حتى وصف البراء بن عازب رضي الله عنه مشاركته في العمل الشاق.

وهكذا أصبحت قيادته ﷺ نموذجًا لكل من يتحمل مسؤولية، سواء داخل الأسرة أو في العمل أو في المجتمع.

تكشف مواقف النبي ﷺ في الأزمات عن نموذج يجمع بين الصبر وحسن التخطيط والتوكل على الله.

وفي الهجرة، أخذ ﷺ بالأسباب، واختار الصاحب، واستأجر الدليل، واتخذ طريقًا غير مألوف، ومكث في غار ثور.

ومع ذلك ظل قلبه مطمئنًا إلى معية الله، وقال لأبي بكر رضي الله عنه: ﴿لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ﴾ [التوبة: ٤٠].

وفي الطائف، ورغم شدة الأذى، لم يتحول الألم إلى يأس أو رغبة في الانتقام، بل بقي الأمل حاضرًا.

كما جسد صلح الحديبية أهمية النظر إلى ما وراء اللحظة، فقد بدا لبعض الصحابة في ظاهره تنازلًا. بينما جاءت نتائجه على نحو وصفه القرآن بأنه ﴿فَتۡحࣰا مّبِینࣰا﴾ [الفتح: ١].

ومن هديه ﷺ أن مواجهة الأزمات تحتاج إلى العمل والتخطيط والأخذ بالأسباب، مع الثقة بالله وعدم الاستسلام للعجز.

لم يقتصر أثر هدي النبي ﷺ على إصلاح الفرد، بل امتد إلى بناء مجتمع يقوم على التكافل والأخوة وحفظ الحقوق.

فقد أكد أن المؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبه ترابطهم بالجسد الواحد الذي يتألم كله إذا اشتكى منه عضو.

كما شدد ﷺ على حرمة الدماء والأموال والأعراض، وعلى الوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وجعل المسؤولية الاجتماعية واجبًا يشترك فيه الجميع، فقال ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» [متفق عليه].

وكان يحذر من العصبية والظلم والتمييز، مؤكدًا أن المجتمع المتماسك هو الذي يحفظ كرامة الإنسان ويصون حقوقه ويجعل التعاون أساسًا للإصلاح.

محبة النبي ﷺ لا تكتمل بمجرد المشاعر، وإنما تظهر آثارها في الاتباع والاقتداء، قال تعالى: ﴿قلۡ إِن كنتمۡ تحِبّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعونِی یحۡبِبۡكم ٱللَّه﴾ [آل عمران: ٣١].

فالاقتداء بالنبي ﷺ هو أن تصبح سيرته معيارًا للسلوك، وأن تتحول محبته إلى التزام بأخلاقه وهديه.

وقد قال ﷺ: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» [رواه البخاري].

لا ينبغي أن تبقى السيرة النبوية مجرد أحداث نستعيدها من الماضي، وإنما المطلوب أن تتحول قيمها إلى ممارسة في واقعنا المعاصر.

فالرحمة تظهر في طريقة حديثنا مع الآخرين، والرفق في أسلوب تصحيح الأخطاء، والأمانة في العمل، والعدل في الحكم، وحفظ الكرامة في الخلاف، والمسؤولية في كل ما نفعله.

وتشمل هذه القيم كذلك تعامل الإنسان مع وسائل التواصل الاجتماعي. فالكلمة المنشورة مسؤولية، والمعلومة تحتاج إلى التثبت، والتعليق قد يجبر خاطرًا أو يؤذي إنسانًا.

وقد قال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» [متفق عليه].

كما أن مواجهة السخرية والتنمر والاحتقار تمثل صورة مهمة من صور الاقتداء، فقد نهى القرآن عن السخرية من الآخرين.

وقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكونوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهمۡ﴾ [الحجرات: ١١].

وفي زمن التقنية والذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية المسؤولية الأخلاقية، بحيث تستخدم الوسائل الحديثة فيما ينفع الناس، مع احترام الخصوصية والحقوق والابتعاد عن التضليل والتشهير والغش.

وهكذا تظل سيرة النبي ﷺ مصدرًا حيًا للقيم؛ فمهما تغيرت وسائل الحياة وتطورت أدواتها، تبقى الرحمة والصدق والأمانة والعدل وحفظ الكرامة مبادئ قادرة على توجيه الإنسان نحو حياة أكثر استقامة.

ويصبح الاقتداء الحقيقي بالنبي ﷺ حين تتحول هذه القيم من كلمات تقال إلى أخلاق تمارس وسلوك يرى.

Share this content:

إرسال التعليق

مقالات أخري