رئيس مجلس الإدارة والمشرف العام
د/ محمد الحسيني

إنهاء حرب السودان/ البرهان يكشف رؤيته ويطرح خريطة طريق للسلام  

23 سبتمبر 2026 7:32 ص 0 تعليق
البرهان يطرح في مقال بمجلة «فورين بوليسي» تصورًا لإنهاء الحرب في السودان – صورة أرشيفية
البرهان يطرح في مقال بمجلة «فورين بوليسي» تصورًا لإنهاء الحرب في السودان – صورة أرشيفية

كتب: عثمان عبد الماجد

طرح عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني تصورًا متكاملًا بشأن إنهاء الحرب في السودان، يقوم على أن تكون التسوية بقيادة سودانية من الداخل.

بدءًا من وقف دائم لإطلاق النار، مرورًا بترتيبات أمنية تؤدي إلى توحيد القوات المسلحة تحت مؤسسة عسكرية واحدة، وصولًا إلى حوار سياسي يفضي إلى إعداد دستور جديد وإجراء انتخابات.

 وفي مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» بعنوان «كيفية إحلال السلام في السودان» اقتطفت منه أخبار السودان بعضًا منه، ، قال البرهان إن المبادرات الخارجية التي تحركت خلال السنوات الماضية لوقف القتال لم تنجح في إنهاء الحرب.

معتبرًا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى اتفاق لا يكتفي بوقف مؤقت للمعارك، وإنما يمنع تجدد المواجهات مع تراجع الاهتمام الدولي بالأزمة.

ويأتي طرح البرهان في ظل استمرار الخلاف بشأن المسار الذي ينبغي أن تتبعه عملية إنهاء الحرب، وما إذا كان البدء يجب أن يكون بترتيبات أمنية أم بعملية سياسية متزامنة.

وكان البرهان قد طرح في أغسطس مبادرة للحوار السوداني ـ السوداني، رحبت بها قوى سياسية ومدنية، بينما رفضتها أطراف أخرى.

يضع قائد الجيش السوداني ملكية السودانيين لعملية السلام في مقدمة رؤيته، مع إبدائه انفتاحًا على الدعم الدولي في مجالات المراقبة والمساعدة.

لكنه يرفض، وفق تصوره، أن يصل هذا الدور إلى فرض شكل التسوية السياسية.

وأكد البرهان أن السلام ينبغي أن يكون «محلي الصنع، بواسطة السودانيين، وللسودانيين، وفي السودان».

مشيرًا إلى إمكانية أن يسهم المجتمع الدولي في دعم الاتفاقات، خاصة من خلال مراقبين يتمتعون بالمصداقية.

وفي المقابل، يرى البرهان أن التسويات المفروضة من الخارج تفتقر إلى مقومات الاستمرار، رابطًا انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة بما وصفه بعدم كفاية المشاركة السودانية في صياغتها.

ويتصل هذا التصور بتحركات سياسية أعلنها البرهان خلال الأشهر الماضية، إذ تحدث في مايو عن الاستعداد لحوار سياسي شامل يبحث أسس إعادة بناء الدولة واستكمال الانتقال المدني الديمقراطي.

وذلك قبل أن يطرح في أغسطس ضمانات مؤقتة تسمح بمشاركة شخصيات تواجه إجراءات قانونية في الحوار المقترح.

ويحتل وضع قوات الدعم السريع موقعًا محوريًا في رؤية البرهان، الذي يرفض التعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة بين طرفين متساويين أو مجرد حرب أهلية.

وقال إن الدولة السودانية وقوات الدعم السريع لا تتساويان، من وجهة نظره، على المستويين الأخلاقي والقانوني.

موضحًا أن الحكومة التي يقودها تمثل السلطة القانونية لدولة عضو في الأمم المتحدة، بينما وصف الدعم السريع بأنه «جماعة شبه عسكرية».

وبناءً على هذا الموقف، يرفض البرهان أي تسوية يمكن أن تمنح قيادة الدعم السريع شرعية سياسية أو تضعها في موقع موازٍ للدولة.

وكان البرهان قد أكد في مارس أن أي مبادرة لإنهاء الحرب يجب أن تشمل انسحاب قوات الدعم السريع وتجميع عناصرها.

إلى جانب إنهاء وجود القوات والأسلحة خارج مؤسسات الدولة ووضع جدول زمني لتنفيذ التسوية.

كما استند البرهان في مقاله إلى التطورات التي شهدتها مدينة الفاشر، متهمًا قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة بعد سقوط المدينة في أكتوبر 2025.

معتبرًا أن ما حدث يؤكد، بحسب رؤيته، مخاطر تحول وقف إطلاق النار إلى هدنة تسمح للأطراف بإعادة ترتيب صفوفها والاستعداد لجولة جديدة من القتال.

ويشكل توحيد المؤسسة العسكرية أحد أبرز محاور تصور البرهان لإنهاء الحرب، إذ يرى أن المرحلة التي تلي وقف القتال يجب أن تنتهي إلى وجود «جيش وطني واحد»، بدلًا من تعدد القوات المسلحة واختلاف ولاءاتها ومصادر تمويلها.

ويرتبط هذا الطرح بموقف القيادة العسكرية من شكل التسوية المطلوبة، حيث شدد البرهان على أن السلام الدائم، وفق رؤيته، يحتاج إلى إنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، ووقف نشاط أي تشكيلات عسكرية لا تخضع للشرعية الوطنية.

ويربط البرهان بين الترتيبات الأمنية واستعادة المسار السياسي، بحيث تتيح المرحلة التي تعقب وقف إطلاق النار للدولة استعادة سلطتها، قبل الانتقال إلى عملية سياسية أوسع.

وكشف البرهان عن تقديم خطة إلى مجلس الأمن الدولي تستهدف التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه انتقال إلى نظام حكم تشارك فيه القوى المدنية.

وبحسب التصور الذي طرحه، تشمل المرحلة الأمنية إبعاد المقاتلين والأسلحة عن المناطق المدنية، بمساعدة وإشراف الأمم المتحدة.

بما يسمح بالانتقال من مجرد وقف العمليات العسكرية إلى تسوية سياسية تستطيع الدولة في ظلها أداء وظائفها.

وتأتي هذه الرؤية في ظل خلاف بشأن ترتيب خطوات إنهاء الحرب، فبينما يضع البرهان معالجة وضع قوات الدعم السريع وسلاحها في صدارة أي اتفاق دائم، تدفع قوى مدنية مناهضة للحرب باتجاه مسار متزامن يجمع بين وقف القتال، وإيصال المساعدات الإنسانية، وبدء العملية السياسية.

وفي الجانب السياسي، يدعو البرهان إلى حوار داخلي يتولى من خلاله السودانيون تحديد شكل الدولة والنظام السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.

وأكد أن التسوية السياسية يجب أن تكون نتيجة «حوار سوداني»، وأن الدستور الذي سيحكم المرحلة المقبلة يجب أن يُكتب «بأيد سودانية» وليس خارج البلاد.

ووفق التصور الذي عرضه، تنتهي العملية السياسية إلى انتخابات حرة ونزيهة مع مراقبة دولية، يعقبها انتقال سلس للسلطة، مع بقاء الدور الأساسي للسودانيين في تحديد شكل الحكم ومستقبل البلاد.

ويصف البرهان الحكومة الحالية بأنها حكومة انتقالية، مع إقراره بأنها «غير مثالية»، لكنه يقول في الوقت نفسه إنها ملتزمة بالقانون الدولي وتخضع للمساءلة.

ولا يتوقف تصور البرهان عند وقف إطلاق النار والترتيبات السياسية، إذ يعتبر وقف التدخل الخارجي وتجفيف مصادر التمويل والإمداد العسكري من الشروط الضرورية لاستمرار أي اتفاق للسلام.

واتهم البرهان في مقاله جهات خارجية وشبكات تعمل عبر الحدود بتمويل مقاتلين أجانب وتعزيز القدرات العسكرية لقوات الدعم السريع.

معتبرًا أن جماعة مسلحة لا يمكنها، بحسب تقديره، مواصلة حرب بهذا الحجم من دون دعم خارجي.

ويرى أن أي هدنة لا تتعامل مع مصادر التمويل والإمداد قد تتحول إلى فرصة لإعادة التسليح وإعادة ترتيب القوات، بدلًا من أن تكون خطوة نحو إنهاء الحرب.

حدد البرهان 4 مطالب قال إنه يريد من المجتمع الدولي دعمها بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ويتمثل المطلب الأول في مساندة الخطة التي قال إنه قدمها إلى مجلس الأمن للوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار وتهيئة الظروف لبدء عملية سياسية.

أما المطلب الثاني، فيتعلق بقطع مصادر التمويل وخطوط الإمداد التي تصل إلى قوات الدعم السريع.

ويطالب البرهان، في المطلب الثالث، بمساعدة الأمم المتحدة وتمكينها من مراقبة أي اتفاق مستقبلي لوقف إطلاق النار.

أما المطلب الرابع، فيتمثل في إتاحة المجال أمام السودانيين لتحديد مستقبلهم السياسي بأنفسهم، بعيدًا عن فرض ترتيبات سياسية من الخارج.

وتعكس هذه المطالب طبيعة الدور الذي يريد البرهان للمجتمع الدولي أن يؤديه، من خلال الدعم الأمني والإنساني والرقابي، والضغط على مصادر تمويل وإمداد قوات الدعم السريع.

مع ترك صياغة الدستور وتحديد شكل النظام السياسي ومستقبل الحكم للعملية السياسية داخل السودان.

واختصر البرهان رسالته إلى المجتمع الدولي بالقول: «ثقوا بأمتنا كي تكتب سلامها بنفسها»، مؤكدًا أن السودانيين الذين عاشوا سنوات الحرب هم أصحاب الحق في تحديد شكل السلام الذي ينهيها.

وفي ختام مقاله، دعا البرهان إلى سلام «محلي الصنع، لا مفروض»، يقوم على القانون ومؤسسات الدولة القوية.

مع تأكيده أن السودان قادر على بناء هذا السلام بنفسه مع الاستفادة من مساعدة المجتمع الدولي.

Share this content:

إرسال التعليق

مقالات أخري