رئيس مجلس الإدارة والمشرف العام
د/ محمد الحسيني

ملف خاص/ انخفاض أسعار الدواجن .. حين يربح المُستهلك ويخسر المُنتج في مصر

26 يونيو 2026 4:30 م 0 تعليق
انخفاض أسعار الدواجن والبيض في مصر – صورة موضوعية
انخفاض أسعار الدواجن والبيض في مصر – صورة موضوعية

تحقيق: أحمد جمال

لم يكن “أبو أحمد”، وهو صاحب مزرعة دواجن بمحافظة الشرقية، يتوقع انخفاض أسعار الدواجن والبيض بهذا الشكل، وأن يتحول اليوم الذي ينتظره منذ بداية دورة التربية إلى أكثر الأيام قلقًا.

فبعد أسابيع من الإنفاق على الأعلاف والأدوية والعمالة والكهرباء، حمل إنتاجه إلى السوق، لكنه فوجئ بأن السعر المعروض أقل من تكلفة الإنتاج.

في الجهة المقابلة، كانت إحدى السيدات تغادر أحد منافذ بيع الدواجن في القاهرة وهي تحمل عدة دجاجات بعد أن وجدت أسعارًا لم ترها منذ أشهر.

معتبرة أن انخفاض الأسعار منح أسرتها فرصة لتعويض ما حرمت منه خلال موجات الغلاء السابقة.

بين هذين المشهدين، تتشكل قصة مختلفة لصناعة تعد واحدة من أهم ركائز الأمن الغذائي في مصر.

فبينما يرى المستهلك في انخفاض الأسعار انفراجة طال انتظارها، ينظر إليها آلاف المربين باعتبارها جرس إنذار.

هذا الجرس ينبه إلى تهديد مستقبل قطاع تجاوزت استثماراته 100 مليار جنيه، ويعمل به نحو ثلاثة ملايين مواطن بصورة مباشرة وغير مباشرة.

ورغم أن تراجع الأسعار يبدو للوهلة الأولى مؤشرًا إيجابيًا، فإن خبراء الاقتصاد والثروة الداجنة يحذرون من أن استمرار البيع بأقل من تكلفة الإنتاج قد يقود إلى نتائج عكسية.

تبدأ بخروج صغار المربين من السوق، ولا تنتهي عند احتمالات تراجع الإنتاج وعودة الأسعار إلى الارتفاع من جديد.

هذا التحقيق يحاول الإجابة عن سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية واسعة:

هل يعكس انخفاض أسعار الدواجن والبيض تعافيًا حقيقيًا للسوق، أم أنه يخفي أزمة جديدة قد تهدد واحدة من أهم الصناعات الغذائية في مصر؟

تعد صناعة الدواجن من أكثر القطاعات الحيوية في الاقتصاد المصري. إذ تضم نحو 38 ألف منشأة بين مزارع ومجازر ومصانع أعلاف ومنشآت خدمية.

وذلك باستثمارات تتجاوز 100 مليار جنيه، فيما توفر مصدر دخل لنحو ثلاثة ملايين مواطن.

وتنتج مصر ما يقرب من 1.4 مليار دجاجة سنويًا، إلى جانب نحو 14 مليار بيضة مائدة تضخ ضخًا داخل الأسواق.

وهو ما جعل القطاع يقترب خلال السنوات الماضية من تحقيق الاكتفاء الذاتي، ليصبح المصدر الأول للبروتين الحيواني بالنسبة للمصريين.

لكن هذه الصناعة، رغم ضخامتها، تعتمد بصورة كبيرة على خامات مستوردة، في مقدمتها الذرة والصويا.

إلى جانب الأدوية البيطرية وبعض مستلزمات الإنتاج، وهو ما يجعلها شديدة التأثر بالتغيرات الاقتصادية العالمية وتقلبات أسعار الصرف.

ورغم أن تكلفة الإنتاج لا تزال مرتفعة، فإن السوق يشهد في الوقت الحالي انخفاضًا واضحًا في أسعار البيع للبيض والدواجن.

لتظهر معادلة جديدة لم تكن مألوفة خلال السنوات الماضية؛ المستهلك يشتري بسعر أقل، بينما يبيع المنتج في كثير من الأحيان بخسارة.

لا يرجع انخفاض أسعار الدواجن إلى تراجع تكلفة الإنتاج. بل إلى مجموعة من المتغيرات التي فرضت نفسها على السوق خلال الأشهر الأخيرة.

فزيادة المعروض، وتراجع القوة الشرائية، واشتداد المنافسة بين المنتجين، دفعت كثيرًا من المزارع إلى الإسراع في بيع الإنتاج لتوفير السيولة اللازمة لبدء دورة جديدة، حتى وإن كان ذلك على حساب الأرباح.

كما ساهم ما يعرف داخل السوق باسم “الطيبات” الذي أوجده الدكتور ضياء العوضي بتغيير نمط الغذاء في تسريع وتيرة انخفاض الأسعار.

حيث يلجأ بعض المنتجين والتجار إلى البيع بأقل من السعر السائد لتصريف الإنتاج سريعًا. تجنبًا لتحمل تكاليف إضافية أو مخاطر استمرار التربية.

ويرى متعاملون في القطاع أن هذه الظاهرة، رغم أنها تصب مؤقتًا في مصلحة المستهلك، فإن استمرارها لفترات طويلة قد يخل بالتوازن الطبيعي للسوق، خاصة إذا تحولت الخسائر إلى واقع دائم بالنسبة للمربين.

ورغم أن تراجع أسعار الدواجن وبيض المائدة أعاد جزءًا من القدرة الشرائية للمستهلك. فإن الخبراء يرون أن قراءة المشهد من زاوية الأسعار وحدها قد تكون مضللة.

مؤكدين أن انخفاض سعر البيع لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع الصناعة، بل قد يكون مؤشرًا على اختلال التوازن بين تكلفة الإنتاج وقيمة المنتج داخل السوق.

ويؤكد الخبير الاقتصادي وحيد الروبي أن المستهلك هو المستفيد الأول من انخفاض الأسعار، إلا أن الصورة تختلف داخل المزارع.

حيث يواجه كثير من المنتجين، خاصة صغار المربين، خسائر متراكمة نتيجة بيع الإنتاج بأسعار تقل عن التكلفة الفعلية.

ويشير إلى أن عدداً من صغار المربين اضطروا خلال الفترات الماضية إلى تقليص نشاطهم أو الخروج من السوق.

بعدما أصبحت تكلفة الإنتاج أعلى من العائد المتوقع، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي لتقلص أعداد المنتجين.

وهو ما سينعكس لاحقًا على حجم المعروض واستقرار الأسعار في الأسواق المصرية للدواجن وبيض المائدة.

ويرى الروبي أن الحفاظ على انخفاض الأسعار في صالح المستهلك يجب ألا يكون على حساب استمرارية المنتج.

لأن خروج المربين من المنظومة سيؤدي في النهاية إلى نقص الإنتاج، لتعود الأسعار إلى الارتفاع بصورة أكبر.

ويذهب الدكتور السيد الوكيل إلى أن الأزمة لا ترتبط بسعر البيع بقدر ارتباطها بارتفاع تكلفة الإنتاج.

موضحًا أن صناعة الدواجن تعتمد على منظومة متكاملة تبدأ من مزارع الجدود، ثم الأمهات، فالكتاكيت، وصولًا إلى مزارع التسمين.

وهي حلقات ترتبط جميعها بمدخلات إنتاج ما زالت تتحمل أعباء ارتفاع أسعار الذرة والصويا والأدوية البيطرية ومستلزمات التشغيل.

ويضيف أن انخفاض الأسعار الحالية لم يصاحبه انخفاض مماثل في تكلفة الإنتاج، وهو ما أدى إلى تقلص هامش الربح، بل وتحول كثير من الدورات الإنتاجية إلى خسائر مباشرة.

مؤكدًا في ذات الوقت أن استمرار هذه المعادلة يهدد قدرة المنتجين على الاستمرار في السوق.

بينما يلفت الخبير الاقتصادي محمد عثمان إلى أن الصناعة لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على المكونات المستوردة، وفي مقدمتها الأعلاف.

الأمر الذي يجعل تكلفة الإنتاج عرضة للتقلبات العالمية، حتى في الفترات التي تشهد فيها الأسواق المحلية انخفاضًا في أسعار البيع.

ويؤكد أن استمرار البيع بأقل من التكلفة قد يدفع المستثمرين إلى تأجيل خطط التوسع.

كما قد يؤدي إلى عزوف بعض المنتجين عن بدء دورات إنتاج جديدة، وهو ما قد يخلق فجوة بين العرض والطلب في المستقبل.

أما أحمد رأفت، المتخصص في أسواق الدواجن، فيرى أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في انخفاض الأسعار أو ارتفاعها، وإنما في غياب آلية تحقق التوازن بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع.

ويؤكد أن السوق يحتاج إلى منظومة تسعير أكثر انضباطًا، تعتمد على التكلفة الحقيقية للإنتاج.

بما يضمن حصول المستهلك على سلعة بسعر مناسب، وفي الوقت نفسه يحافظ على قدرة المنتج على الاستمرار دون تكبد خسائر.

ويحذر من أن استمرار البيع وفق ما يعرف داخل السوق بـ”الطيبات”. أو البيع بأسعار تقل عن التكلفة، قد يحقق انفراجة مؤقتة للمستهلك.

لكنه لا يمثل نموذجًا اقتصاديًا قابلًا للاستمرار، لأن الصناعة لا يمكن أن تعتمد طويلًا على تحمل المنتج للخسائر.

ورغم اختلاف زوايا تناولهم للأزمة، يتفق الخبراء على أن السوق يمر بمرحلة دقيقة؛ فالمستهلك يستفيد حاليًا من انخفاض الأسعار.

لكن استمرار هذا الوضع دون معالجة جذور المشكلة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تبدأ بخروج المزيد من المنتجين من السوق، وتنتهي بعودة موجة جديدة من ارتفاع الأسعار نتيجة انخفاض الإنتاج.

لم يكن انخفاض أسعار الدواجن وبيض المائدة مفاجأة للمستهلك الذي عانى طويلًا من موجات الغلاء.

لكنه في المقابل فتح بابًا واسعًا للنقاش داخل أوساط المنتجين والخبراء، الذين يرون أن انخفاض الأسعار لا يعكس بالضرورة تعافيًا حقيقيًا للسوق، بل قد يكون نتيجة اختلال مؤقت بين العرض والطلب، تتحمل كلفته المزارع والمنتجون.

ويؤكد الخبراء أن صناعة الدواجن تختلف عن كثير من الأنشطة الاقتصادية، إذ لا يمكن إيقاف الإنتاج أو تأجيل البيع انتظارًا لتحسن الأسعار.

فكل يوم إضافي داخل المزرعة يعني استهلاكًا أكبر للأعلاف وارتفاعًا في تكلفة التربية وخسارة للمربين.

مما يدفع المنتج في كثير من الأحيان إلى البيع بأي سعر لتقليل خسائره، حتى وإن كان العائد أقل من تكلفة الإنتاج.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي وحيد الروبي أن الانخفاض الحالي يمثل خبرًا إيجابيًا للمستهلك.

لكنه يفرض في الوقت ذاته ضغوطًا غير مسبوقة على المنتجين، خاصة صغار المربين الذين لا يمتلكون الملاءة المالية التي تمكنهم من تحمل الخسائر لفترات طويلة.

ويشير إلى أن عدداً من صغار المربين اضطروا بالفعل خلال السنوات الأخيرة إلى تقليص نشاطهم أو الخروج من السوق نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج.

محذرًا من أن استمرار البيع بخسارة قد يدفع مزيدًا من المنتجين إلى اتخاذ القرار نفسه، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج المحلي بمرور الوقت.

ويضيف أن استقرار السوق لا يتحقق فقط عندما تنخفض الأسعار، وإنما عندما يصبح المنتج قادرًا على الاستمرار وتحقيق عائد يغطي تكلفة الإنتاج.

وفي الوقت نفسه يحصل المستهلك على سلعة بسعر عادل، لأن اختلال هذه المعادلة ستكون له انعكاسات مباشرة على السوق مستقبلًا.

ومن زاوية أكثر ارتباطًا ببنية الصناعة، يوضح الدكتور السيد الوكيل أن ما يحدث في الأسواق اليوم لا يعكس انخفاضًا في تكلفة الإنتاج.

العناصر الأساسية التي تقوم عليها صناعة الدواجن لا تزال تتحمل أعباء مرتفعة، بداية من استيراد خامات الأعلاف، مرورًا بالأدوية واللقاحات البيطرية، ووصولًا إلى الطاقة والنقل والعمالة.

ويلفت إلى أن صناعة الدواجن ليست مجرد مزارع تسمين، بل منظومة إنتاج متكاملة تبدأ من مزارع الجدود، ثم الأمهات، فالكتاكيت، قبل أن تصل إلى مزارع التسمين.

وأي خسائر تتعرض لها إحدى هذه الحلقات تنعكس على المنظومة بالكامل، وهو ما يجعل استمرار البيع بأقل من التكلفة مصدر قلق حقيقي على مستقبل القطاع.

ويؤكد أن انخفاض الأسعار في الوقت الحالي لم يأت نتيجة انخفاض تكلفة الأعلاف أو مدخلات الإنتاج.

وإنما بسبب ظروف السوق وزيادة المعروض، وهو ما يعني أن المنتج هو من يتحمل الفارق بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع.

أما الخبير الاقتصادي محمد عثمان، فيرى أن الأزمة الحالية تكشف حجم اعتماد الصناعة على مدخلات إنتاج مستوردة.

موضحًا أن الذرة والصويا تمثلان النسبة الأكبر من مكونات الأعلاف، بينما تعتمد الصناعة كذلك على استيراد سلالات الإنتاج وعدد من المستلزمات البيطرية.

الأمر الذي يجعل تكلفة الإنتاج شديدة الحساسية لأي تغيرات في الأسواق العالمية أو أسعار الصرف.

ويشير إلى أن استمرار الأسعار عند مستويات تقل عن التكلفة قد يدفع المستثمرين إلى إعادة النظر في خطط التوسع.

كما قد يؤجل كثير من المنتجين بدء دورات إنتاج جديدة، وهو ما قد يؤدي تدريجيًا إلى انخفاض حجم المعروض داخل السوق.

وفي المقابل، يرى أحمد رأفت، المتخصص في أسواق الدواجن، أن المشكلة لا تتعلق بانخفاض الأسعار أو ارتفاعها بقدر ما تتعلق بغياب آلية تحقق التوازن بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع.

مؤكدًا أن السوق يحتاج إلى منظومة أكثر انضباطًا تعتمد على التكلفة الفعلية للإنتاج، بما يحافظ على استقرار الأسعار ويحمي المنتج والمستهلك في الوقت نفسه، حماية للجميع من انهيار هذه الصناعة.

ويضيف أن ما يعرف داخل السوق بـ”الطيبات” أصبح أحد أبرز أسباب الارتباك في حركة الأسعار.

إذ تلجأ بعض المزارع أو التجار إلى البيع بأسعار منخفضة لتوفير السيولة أو تصريف الإنتاج سريعًا.

وهو ما يضغط على باقي المنتجين ويدفعهم إلى خفض الأسعار بدورهم، لتتحول المنافسة تدريجيًا إلى سباق للبيع بأقل من التكلفة.

ويحذر من أن هذه الآلية قد تبدو مفيدة للمستهلك على المدى القصير، لكنها لا تمثل نموذجًا اقتصاديًا مستدامًا.

لأن الصناعة لا يمكن أن تستمر إذا كانت تعتمد على تحمل المنتج للخسائر في كل دورة إنتاج.

ورغم اختلاف زوايا التحليل، يتفق الخبراء على أن السوق يمر بمرحلة دقيقة، تتطلب قراءة تتجاوز مؤشرات الأسعار اليومية.

فاستمرار انخفاض الأسعار دون معالجة أسباب ارتفاع تكلفة الإنتاج قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تبدأ بخروج مزيد من المنتجين من السوق.

وقد تنتهي بعد أشهر أو سنوات بتراجع الإنتاج وعودة الأسعار إلى الارتفاع بصورة أكبر.

وهي دورة شهدتها أسواق عديدة حول العالم عندما اختل التوازن بين المنتج والمستهلك.

قد تبدو الصورة للوهلة الأولى محسومة؛ فكلما انخفضت أسعار الدواجن والبيض، كان المستهلك هو الرابح الأكبر.

لكن داخل هذه المعادلة طرف آخر يتحمل كلفة هذا الانخفاض، وهو المنتج الذي يجد نفسه مضطرًا للبيع بأقل من تكلفة الإنتاج في كثير من الأحيان، حتى لا تتضاعف خسائره مع استمرار دورة التربية.

وخلال جولة في الأسواق، بدا واضحًا أن تراجع الأسعار أعاد الدواجن إلى موائد كثير من الأسر التي اضطرت خلال الفترات الماضية إلى تقليل استهلاكها بسبب موجات الغلاء.

ويؤكد عدد من المواطنين أن الأسعار الحالية منحتهم فرصة لشراء احتياجاتهم بصورة أفضل.

وهو ما يعكس الأثر الإيجابي المباشر لانخفاض الأسعار على القوة الشرائية، خاصة لدى الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.

لكن الصورة تختلف تمامًا داخل المزارع، حيث تتحول فرحة المستهلك إلى مصدر قلق للمنتجين.

فالمربي الذي اشترى الأعلاف بأسعار مرتفعة، وأنفق على الأدوية واللقاحات والكهرباء والعمالة، لا يستطيع تعويض هذه التكاليف عندما يضطر إلى بيع إنتاجه بأسعار تقل عن تكلفة التربية.

ويرى الخبراء أن استمرار هذه المعادلة لفترات طويلة يهدد بخروج أعداد جديدة من صغار المربين، الذين يمثلون شريحة واسعة من منظومة الإنتاج.

إذ إن قدرتهم على تحمل الخسائر محدودة مقارنة بالشركات الكبرى التي تمتلك إمكانات مالية تسمح لها بالاستمرار لفترات أطول.

ويحذر الخبراء من أن الخطر الحقيقي لا يظهر في الوقت الحالي، وإنما في المدى المتوسط، إذ إن استمرار الخسائر قد يدفع بعض المربين إلى تقليص عدد دورات الإنتاج أو إغلاق مزارعهم مؤقتًا.

وهو ما يعني انخفاض المعروض تدريجيًا، لتبدأ السوق في استعادة موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.

وبذلك تتحول المكاسب التي يحققها المستهلك لتحدٍ قد ينعكس عليه لاحقًا، إذا تراجع الإنتاج المحلي وازدادت الفجوة بين العرض والطلب.

وهي دورة اقتصادية شهدتها أسواق عديدة عندما خرج المنتجون من السوق نتيجة استمرار البيع بالخسارة.

ولا يقتصر تأثير انخفاض الأسعار على المربين وحدهم، بل يمتد إلى حلقات أخرى داخل الصناعة.

تشمل منتجي الكتاكيت، ومصانع الأعلاف، وشركات الأدوية البيطرية، وقطاع النقل والخدمات المرتبط بالإنتاج، ما يعني أن أي اضطراب يصيب المربي ينعكس تدريجيًا على المنظومة بأكملها.

ورغم ذلك، يؤكد الخبراء أن المطلوب ليس رفع الأسعار على المستهلك، وإنما الوصول إلى نقطة توازن تحقق معادلة عادلة.

لكي يحصل فيها المواطن على غذاء بسعر مناسب، ويتمكن المنتج في الوقت نفسه من تغطية تكاليفه والاستمرار في الاستثمار والإنتاج.

فالهدف لا ينبغي أن يكون انتصار طرف على حساب الآخر، لأن المستهلك والمنتج شريكان في معادلة واحدة، وأي خلل يصيب أحدهما ستكون آثاره ممتدة على السوق بأكمله.

مصطلح “الطيبات” أصبح متداولًا خلال الأشهر الأخيرة، بعدما ارتبط بحالة التراجع التي تشهدها الأسعار.

ورغم اختلافنا على المفهوم، فإن جوهره يبقى واحدًا؛ بيع الإنتاج بأسعار تقل عن التكلفة أو بهامش ربح يكاد يكون معدومًا.

وذلك بهدف تصريف الكميات الموجودة سريعًا، وتوفير السيولة اللازمة لبدء دورة إنتاج جديدة، أو تجنب خسائر أكبر قد تنتج عن استمرار التربية لعدة أيام إضافية.

ويؤكد خبراء القطاع أن المربي لا يمتلك رفاهية الانتظار طويلًا، فكل يوم يبقى فيه الدجاج داخل العنابر يعني استهلاك كميات إضافية من الأعلاف، وزيادة في تكاليف التشغيل، وارتفاعًا في احتمالات النفوق.

لذلك يفضل كثيرون البيع بالخسارة المحدودة على تحمل خسائر أكبر قد تتفاقم مع مرور الوقت.

ويضيفون أن هذه الممارسات، وإن كانت مفهومة من الناحية الاقتصادية بالنسبة للمربي، فإنها تؤدي في النهاية لضغوط متتالية على السوق.

إذ يضطر المنتجون الآخرون إلى خفض أسعارهم للحفاظ على قدرتهم التنافسية، فتدخل السوق في دائرة من المنافسة السعرية التي لا يربح منها أحد على المدى الطويل.

ويرى المتخصصون أن استمرار هذه الحالة قد يؤدي إلى تشويه آليات التسعير الطبيعية.

بحيث يصبح السعر النهائي منفصلًا عن التكلفة الحقيقية للإنتاج، وهو ما يضعف قدرة السوق على تحقيق التوازن بين العرض والطلب.

وفي المقابل، لا ينكر الخبراء أن المستهلك كان المستفيد المباشر من هذه المنافسة. إذ انعكس انخفاض الأسعار على تكلفة شراء الدواجن وبيض المائدة.

وهو ما وفر متنفسًا مهمًا للأسر المصرية في ظل الضغوط المعيشية وارتفاع أسعار العديد من السلع الأساسية.

لكنهم يشددون على أن هذا المكسب لن يكون مستدامًا إذا استمرت الخسائر داخل المزارع، لأن المنتج الذي يبيع بخسارة اليوم قد يتوقف عن الإنتاج غدًا.

وعندما يقل عدد المنتجين أو تتراجع الكميات المعروضة، تعود الأسعار إلى الارتفاع بصورة قد تكون أكبر من السابق.

ويؤكد الخبراء أن المشكلة لا تكمن في انخفاض الأسعار ذاته، وإنما في غياب التوازن بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع.

فالسوق الصحية ليست تلك التي تحقق أقل سعر ممكن، وإنما التي تضمن استمرار الإنتاج بتوفير سلعة آمنة وبأسعار عادلة للمستهلك.

ولهذا، يحذر المختصون من النظر إلى انخفاض الأسعار باعتباره مؤشرًا وحيدًا على تحسن أوضاع السوق.

فالمؤشر الحقيقي، في رأيهم، هو قدرة المنتج على الاستمرار دون خسائر، وقدرة المستهلك على الشراء دون أن يتحمل أعباء ارتفاعات مفاجئة في المستقبل.

وبين هذين الهدفين، تبقى الحاجة قائمة إلى آليات أكثر كفاءة لتنظيم السوق، بما يحقق التوازن بين مصالح جميع الأطراف، ويحافظ على استدامة واحدة من أهم الصناعات الغذائية في مصر.

يرى الخبراء أن التحدي الحقيقي أمام صناعة الدواجن في مصر لا يتمثل في ارتفاع الأسعار أو انخفاضها.

وإنما في بناء سوق مستقرة تحقق التوازن بين مصلحة المستهلك واستمرار المنتج، بحيث لا يتحمل أي طرف العبء وحده.

ويؤكدون أن الخطوة الأولى تبدأ بتقليل تكلفة الإنتاج، وليس بالتدخل في تحديد أسعار البيع. وذلك من خلال التوسع في زراعة الذرة والصويا محليًا.

وذلك باعتبارهما المكونين الرئيسيين للأعلاف، بما يحد من الاعتماد على الاستيراد ويقلل من تأثير التقلبات العالمية على السوق المحلية.

كما يشدد الخبراء على أهمية توفير آليات تمويل ميسرة لصغار المربين، الذين يمثلون أحد أهم أعمدة الصناعة.

إلى جانب دعم برامج تطوير المزارع ورفع كفاءتها، والتوسع بتطبيق معايير الأمان الحيوي للحد من الخسائر الناتجة عن الأمراض الوبائية.

ويدعو المختصون كذلك إلى تطوير منظومة تداول الدواجن. بحيث تصبح أكثر شفافية، مع توفير بيانات دقيقة ومحدثة عن حجم الإنتاج والاستهلاك.

بما يساعد على الحد من التقلبات الحادة في الأسعار، ويمنح المنتجين رؤية أوضح عند اتخاذ قراراتهم الإنتاجية.

وفي الوقت نفسه، يؤكد الخبراء أن تنظيم السوق لا يعني التدخل في آليات العرض والطلب.

بل توفير بيئة تنافسية عادلة تمنع الممارسات التي تؤدي إلى البيع بالخسارة أو المضاربة غير المبررة، وتحافظ على استقرار السوق في الأجل الطويل.

ويجمع المتخصصون على أن نجاح صناعة الدواجن لا يقاس بانخفاض الأسعار فقط، وإنما بقدرتها على توفير منتج آمن وبأسعار مناسبة.

مع ضمان استمرار الاستثمارات وحماية المنتجين من الخروج القسري من السوق.

قد تبدو الدواجن الأرخص خبرًا سعيدًا لملايين الأسر المصرية، لكنها في الوقت نفسه تفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول مستقبل صناعة تعتمد عليها الدولة في تحقيق الأمن الغذائي، ويعمل بها ملايين المواطنين.

فالأسواق لا تستقر عندما يربح المستهلك ويخسر المنتج، كما أنها لا تستقر عندما يحقق المنتج أرباحًا تفوق قدرة المستهلك .

والاستدامة الحقيقية تتحقق عندما يجد كل طرف مكانه داخل معادلة اقتصادية متوازنة، يكون فيها السعر انعكاسًا لتكلفة إنتاج عادلة، وليس نتيجة لخسائر متراكمة أو مضاربات مؤقتة.

وربما يحمل انخفاض الأسعار اليوم رسالة إيجابية للمواطن، لكنه يحمل أيضًا رسالة تحذير لصناع القرار وللقائمين على القطاع.

مفاد هذه الرسالة أن الحفاظ على صناعة بهذا الحجم لا يقل أهمية عن توفير الغذاء بأسعار مناسبة.

فإذا نجحت السوق في تحقيق هذا التوازن، ستبقى صناعة الدواجن واحدة من أهم قصص النجاح في منظومة الأمن الغذائي المصري.

أما إذا استمرت معادلة البيع بالخسارة، فقد تتحول الفرحة الحالية بانخفاض الأسعار إلى أزمة جديدة، يدفع ثمنها المنتج والمستهلك معًا.

وفي النهاية، تبقى صناعة الدواجن أكثر من مجرد أرقام عن إنتاج أو أسعار؛ فهي صناعة تمس موائد ملايين المصريين.

وان استقرارها ليس مصلحة لفئة بعينها، بل ركيزة أساسية لاستقرار الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.

Share this content:

إرسال التعليق

مقالات أخري